فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وسطيّة القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته (6/10)
د. علي محمد الصلابي 16/6/1426
إن المتأمل في كتاب الله تبارك وتعالى وما جاء فيه عن دعوات الرسل، وما أُنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، اتفق عليها جميع الرسل، وأُنزلت بها جميع الكتب السماوية. وهذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه. فهي أُسّ الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها. وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج؛ فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعو إليه هو توحيد الله تبارك وتعالى.
يقول الله -عز وجل- في تقرير هذه الحقيقة: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (1)
وفي آية أخرى يقول: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (2) وإذا استعرضنا القرآن الكريم في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (3) ابتداء من أولهم نوح عليه السلام، وانتهاء بخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد ، وهو الإسلام ، وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (4) قال الحافظ ابن حجر: ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل المراد إن أزمنتهم مختلفة) (5)
وقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث:"أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومنابعهم ) (6) لقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) (7) "
وكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) (( 8)
(ومن يتبغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (9) وهذا يدل على أن دين جميع الانبياء واحد، هو الإسلام ودعوتهم واحدة، وهي الدعوة لتوحيد الله -عز وجل- وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم، ولكن أقوامهم غيّروا وبدّلوا بعدهم، وحرفوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله -عز وجل- من الأسماء والصفات فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرّط ، ومُفْرط ، وغالٍ ومقصّر؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين، ومن أعظم الأمم اختلافاً وضلالاً في هذا الباب، أمتي اليهود والنصارى، واليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط، وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب.
والمسلمون اتبعوا الرسل، فهُدوا لأقوم السُّبل ، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقاً بين باطلين، فهو كاللبن سائغ يخرج من بين فرث ودم, وإليك البيان فيما ذهبت إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب (10)
موقف أمة اليهود
عرفنا مما تقدم أن أمة يهود أمة غلب عليها طابع التفريط ، والتقصير في هذا الباب، بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب.
ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين.
الأول: اتخاذهم الأنداد لله -عز وجل- وعبادة الأصنام.
الثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله -عز وجل- بالنقائص التي لا تليق إلا بالمخلوق. فأما الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام؛ فإن القوم لما أنقذهم الله من عدوهم فرعون وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى عليه السلام، وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم يعكفون على أصنام لهم. مالت نفوسهم إلى الوثنية، وطالبوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم مثلها: يقول الله -عز وجل- في ذلك: (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) (11) ثم بيّن لهم موسى -عليه السلام- ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين فقال: (إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعلمون. قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضّلكم على العالمين) (12) اتخاذهم العجل في زمن موسى:
لم يلق نصح موسى عليه السلام وتذكيره ووعظه من القوم قلباً واعياً أو أذناً صاغية، فما أن تركهم عليه السلام وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلهاً من دون الله قال تعالى: (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه وكانوا ظالمين) (13)