فهرس الكتاب

الصفحة 9696 من 27345

د . علي جمعة / إسلام أون لاين

أشارت الأديبة الإيرانية ليلى بختيار إلى مفهوم"الفروسية الروحية"في كتابها (God's Will be done) ، وهي فكرة من الأفكار الإبداعية التي تصدر عندما يمتلئ القلب إيمانا حقيقيا. ويختلف هذا الإيمان عن الهواجس التي تشوش على العقل بأشكال وصور لا علاقة لها بالإيمان.

وتكمن فكرة الفروسية الروحية في أن الإنسان في نفسه هو الفارس ، وهو العدو وهو أرض المعركة في آن واحد .

فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم ، وهذا يجعله مهيأ لأن يكون فارسا نبيلا ، ويصل إلى مرحلة الكمال في خلقه ، وفي سلوكه ، وفي رؤيته ، وفي علاقاته بنفسه ، وبالكون من حوله وبالآخرين ، وأصل ذلك كله علاقته بخالقه .

فالله فطره مهيأ لذلك ، قال تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [ الروم:30] ، وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [ البلد:10] ، وقال تعالي: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10] .

لا فروسية إلا بالإيمان

وحقيقية الفروسية الروحية هي الإحسان ، وحقيقة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، ويبدو من هذا ألا فروسية إلا بالإيمان .

ويحتاج الفارس إلى تدريب حتى يصل إلى مرتبة الفروسية ؛ لأنه لا يقتصر على الخلق الكريم ، بل إنه سيكون حماية للآخرين وملاذا لهم ، وهو الأمر الذي يحتاج مع الخلق إلى قوة لا تتأتى بالأماني ، وإنما تتأتى ببذل المجهود في تدريب قد يكون شاقًّا ومستمرًا .

ولا تغيب عينا الفارس عن عدوه ؛ لأنه يستشعر دائما حاجته إلى النصر على ذلك العدو ، لكن اللطيف في الموضوع أن عدوك هو نفسك التي بين جنبيك ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك". فالعدو إذن ليس بعيدا عنك ، ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ابدأ بنفسك ثم بمن تعول".

ويقاتل الفارس عدوه الأقرب قبل أن يشتغل بعدوه الأبعد ؛ لأن الخطر كامن في الأقرب أكثر مما هو كامن في الأبعد .

معرفة أرض المعركة

وأرض المعركة هي ذات الإنسان أيضا ، فطالما أن الإنسان له نجدان ، وفيه طريق الخير وطريق الشر ، وفيه الفارس والعدو ، فإن أرض المعركة هي الإنسان نفسه أيضا .

ويحتاج الفارس دائما إلى معرفة طبيعة أرض المعركة؛ حتى يستطيع الفوز على عدوه ، ولذلك فإن معرفة تضاريس النفس مهمة في هذا المجال ، وكما قالوا قديما من عرف نفسه فقد عرف ربه .

عندما تشعر الروح أنها قد دخلت في نطاق الفروسية؛ تزداد حاجتها الشديدة إلى الإيمان بالله ، وسترى حينئذ أن الذين لم يؤمنوا بالله ، والذين أرادوا أن يمحوا الإله من حياتهم ومن حياة الناس ، والذين نسوا الله -وإن اعترفوا به في عقولهم أو احتاجوه بين الفينة والفينة في نفوسهم- لا يمكن أن يكونوا من الفرسان النبلاء ، ولا أن يمارسوا الفروسية الروحية .

والغريب، أن الإنسان وقتها؛ سيفقد الكفاءات المهارية والروحية معا ، ويترتب على ذلك مزيد من الصراع في هذا الكون الذي نحياه ، صراع غيبي يجعل سلوك الإنسان من نوع الجهاد من غير وعي .

وهنا يدخل الإنسان في الوهم الكبير ، قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (الكهف: 103- 104) .

ولكن لتكن مشيئة الله عنوانا على الفروسية الروحية ، فهي التي تلهم الفارس الصبر الجميل ، الذي يرجع كل ما في كون الله إلى خلقه سبحانه ، فيؤدي ذلك إلى الرضا القلبي ، والاطمئنان الروحي ، وشفافية العقل والنفس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت