د.عصام بن عبد المحسن الحميدان الأستاذ المساعد بقسم الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران 20/10/1424
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:
فإن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف المهمات وأوسع طرق الخير ، قال سبحانه ( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ) [فصّلت: 33] .
وشرَّف الله تعالى رسوله بهذه المهمة ، فقال: ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف: 108 ]
ولمعرفة الحكم الشرعي للدعوة في المجال الطبي ، وفضلها ، وأساليبها ، لا بدّ من بيان بعض المقدمات:
الأولى:أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم كان طبيبًا للقلوب والأبدان ، فقال سبحانه (وننزِّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين) [الإسراء: 82] ، وقال ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور ) [ يونس: 57] .
وقد عالج النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم أدواء الناس النفسية والجسدية والعقلية . وانظر كتب الطب النبويّ لتجد الأمثلة الكثيرة على علاجاته عليه السلام.
وهذا من دلائل نبوته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قدوة للناس جميعًا كما قال سبحانه (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) [الأحزاب:21] .
فإنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قدوة للأطباء على وجه الخصوص ، لأنه قام بمهمتهم ولو على نحوٍ ما.
ولذا يذكر الأطباء المسلمين القدماء في صدر كتبهم من أسباب شرف مهنة الطب أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم قام بها ولو على نحوٍ ما.
ومن الأنبياء الأطباء أيضًا إدريس عليه السلام (اسمه في التوراة خنوخ ولقبه هرمس) : ذكر أنه أول من تكلم في الطب ، فإن صحّ هذا كان إمام الأطباء الدعاة. ( إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي: 2 ، طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل:5) .
الثانية: أن الطبيب المسلم هو أحد المكلَّفين والمخاطبين بالتوجيهات الربانية والنبوية ، وكل أمرٍ أو نهيٍ في كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم فإنها تتناوله ، ومنها الدعوة إلى الله تعالى ، فالطبيب عندما يقوم بها فإنه ينفِّذ التوجيهات الموجَّهة إليه كمسلم قبل أن يكون طبيبًا.
وكما يتم الالتزام بشرف المهنة وأخلاقياتها ، فإنه يلتزم بالتوجيهات الربانية من باب أولى.
الثالثة:أن وجود المتخصصين في طب الأبدان واجب كفائي ، وثوابه عند الله تعالى عظيم إذا خلصت النية ، قال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني:"فرض الكفاية أفضل من فرض العين لما فيه من نفي الحرج عن الغير" (الأشباه والنظائر لابن الوكيل:1 /112) .
وقد خصص صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم بعض الأطباء والطبيبات من الصحابة للقيام بهذا الواجب.
وأرشد باستشارة بعض الأطباء كالحارث بن كلَدة الثقفي طبيب العرب، فأرشد سعد ابن أبي وقاص أن يأتيه كما روى ابن إسحاق (إخبار العلماء بأخبار الحكماء لابن القفطي: 112، وطبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل: 54) .
فالطبيب قائمٌ على ثغرةٍ من ثغور الدين ، فإن الفقهاء ذكروا أن الضروريات التي فرضها الله تعالى على العباد خمس ، وعليها قام الدين ، وهي:
حفظ الدين ،وحفظ النفس ، وحفظ العقل ، وحفظ المال ، وحفظ العرض . (الموافقات للشاطبي:1 / 38، 3 / 46) .
ففي الطب حفظٌ للنفوس ، وللعقول بعلاجهما ،وحفظٌ للأعراض بالتحذير من الأمراض، وكشف الاعتداءات الجنسية ، وحفظٌ للدين؛ لأن الدين لا يقوم إلا بنفوس العقلاء.
الرابعة: أن المرض قدَر الله تعالى على عباده يبتليهم به ، فمنهم من يصبر ومنهم من يجزع، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم بالتداوي ، فقال:"ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله" (رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه) .
فمن واجب الطبيب أن يقدِّر اختلاف الناس في استقبال المرض ، ويعامل كلًا منهم بما يناسبه.
لماذا أدعو ؟:
* لما لها من فضل وشرف: قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (رواه البخاري ومسلم عن سهل الساعدي رضي الله عنه) .
وقال ابن القيم: الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة . والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ، ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح (المنطلق للراشد) .