لم تعد مصادر التربية وزرع الأخلاق محصورة على فئة معينة تنحصر في الأب والأم والمعلم، بل ـ وفي هذا العصر تحديدًا ـ لعبت التقنية دورًا كبيرًا ومهمًا في هذا المجال،
وأضيف إلى تلك الفئات مصادر تربوية أخرى تتمثل في الفضائيات والأفلام والمسلسلات، فكان لها الأثر الأكبر في التوجيه التربوي للناشئة، ثم تتابعت العوامل الخارجية التي زاحمت ليكون لها دور في هذا التوجيه، وهكذا حصلت ثورة الاتصالات وما تبعها من إفرازات جبارة وهائلة تمثّلت في الإنترنت وسهولة الاتصال المباشر الحر والمفتوح مع أي شريحة من المجتمع كانت، ومهما كان التباين في الأعمار أو الأجناس حتى اختلط الحابل بالنابل، وتداخلت الثقافات، وامتزجت المبادئ حسنها مع سيئها، وجميلها مع قبيحها؛ فقد أصبح الباب مشرّعًا على مصراعيه أمام الجميع ليأخذوا من بعضهم ما شاءوا، فيُستدرج الصغير إلى ثقافات الكبير، وتتلقى المراهقة حكايات المطلقة، ثم ما لبثت أن توغلت التقنية بقوة لتداهم البيوت وعبر الإنترنت ببرامج وتقنيات جديدة تتابعت وتسارعت تسارع النار في الهشيم، إذ تجاوزت غرف الحوار عبر الإنترنت مسألة الحوارات المكتوبة بين الأطراف إلى إمكانية ظهور صورة أحدهم للآخر، عبر تقنية [البالتوك] لتمثل وتجسد ما كانت عليه بغايا الجاهلية ممن يُعرفن بصاحبات الرايات الحمراوات، فأصبحت غرف [البالتوك] مواخير لفعل الفاحشة، وحظيرة لتعليم الزنا والعياذ بالله.
وفي الخط الموازي لهذه التطورات الإلكترونية عبر الإنترنت هناك تسارع مرعب لتقنية الاتصالات الحديثة عبر أجهزة الهواتف المحمولة، حتى أنتجت لنا هواتف تحمل تقنية التصوير الفوتوغرافي والفيديو إلى مدة تصل إلى ثلاث ساعات أي بمعدل شريط فيديو كامل.
هذا التسارع التقني كان إحدى البوابات الرئيسة والعملاقة التي ساهمت في تدهور القيم، وانفلات الأخلاق، كما أنها ـ أيضًا ـ أصبحت تمثل سببًا قويًا من أسباب انهدام الأسر وانهيار وتفكك بيوت المسلمين.
وهذا الاستعمال السيئ لتلك التقنيات جعلها مدخلًا جديدًا من مداخل الشيطان، الذي سول بها لكثير من الضحايا التربية الإلكترونية الخاطئة أن يسيئوا استخدامها بشكل تكون عاقبته وخيمة على الضحية عاجلًا وعلى المستخدم آجلًا.. وراح شرها يستشري في المجتمع، فلم تعد تخلو مدارس أو جامعات أو أسواق أو حفلات زفاف من وجود متربصين عابثين وعابثات ممن يمتلكون هذه الأجهزة لكي يقوموا بتصوير المحارم والفتيات والنساء في أوضاع مختلفة تنبئ عن عدم تنبه الضحية إلى أن هناك من يتربص بها؛ ثم تكون الفاجعة عندما تلتقي فنون هذه التقنيات سويًا ويتم تفريغ هذا المشهد من جهاز الاتصال الهاتفي إلى جهاز الاتصال الإلكتروني ثم القيام بنشره عبر الطريقين: رسائل الهاتف المحمول، وشبكة الإنترنت حتى تجد الضحية نفسها أمام آلاف بل ملايين المتصفحين.
هذه الصورة المأساوية سيجد المتصفح للإنترنت مثيلًا لها عشرات، بل مئات القصص التي يندى لها الجبين، ولم يتعد الأمر مسألة التصوير عن بعد، أو التصوير المتعمد، بل لقد أصبح هتك الحرمات وإذلال الأسر المسلمة عبر تصوير اغتصاب فتياتهن من المصائب الكبرى الجديدة والدخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، وإننا أمام جرائم كهذه من الخطأ أن يُقال بأنه مرض موجود في مجتمعاتنا العربية بالأصل، وأن التقنية هي التي ساعدت على ظهوره بهذا الحجم، فما يحدث من جرائم اغتصاب لفتيات أو حتى لأطفال صغار ـ كما حصل ـ هو أمر خارج عن المألوف، وهو سابقة خطيرة ستمثل تهديدًا جادًا، ومنعطفًا حادًا لمجتمعاتنا الإسلامية؛ إذ إنه وسيلة هدّامة لا تهدم الأسرة فحسب؛ بل تهدم المجتمع بأكمله إذا ما أصبحت ديدن المنحرفين ومريضي النفوس والشواذ في المجتمع ممن انسلخوا عن المبادئ والأخلاق، حتى وإن تعاطف الكثيرون مع بعض تلك القضايا الإنسانية ممن وقعن في شراك الاغتصاب والابتزاز كما حصل في إحدى الحوادث، وشُكلت من أجلها جماعة تبنت لها موقعًا على الإنترنت أطلقت على نفسها [جماعة سيوف الأعراض] تنادي بجملة واحدة تقول: 'لن نرضى بأقل من رأس الفاعل وأعوانه'؛ فإن كانت هذه الجماعة قد نشأت مطالبة برأس مجرم واحد من هؤلاء ممن ذاع صيته وتناقلته الصحف والمجلات، فكم مجرم وكم جماعة سوف تفرزها لنا التربية الإلكترونية الخاطئة!! وهل ستكون [جماعة سيوف الأعراض] نواة لمنظمة كبرى توازي في مهامها مهام جماعة التوحيد والجهاد في العراق، أو جماعة أنصار الإسلام في جزيرة العرب، أو جماعة الشباب المؤمن في اليمن، أو جماعة التكفير والهجرة في مصر، لتصبح جميع قضايانا الإسلامية والتربوية تُحل بواسطة جماعات متخصصة في معالجة كل علة تنبت في بلادنا؟! مع الفارق طبعًا في توجه كل جماعة ومدى صدقها.