فهرس الكتاب

الصفحة 25488 من 27345

د. بدران بن الحسن 3/7/1425

الحديث عن مفهوم التصوّف الإسلاميّ يقتضي منا الحديث عن جذره اللغويّ، وتأصيله من الناحية التاريخيّة، وتتبع مساراته، ودراسة مضمون الإنتاج المعرفيّ لهذا الاتجاه في حقل المعرفة الإسلاميّة، كما يقتضي التنقيب عن مضامينه الروحيّة والعقليّة، وتتبع مدى أصالة انتمائه إلى حقل العلوم والمعارف الشرعيّة، ومدى علميّة ما يطرحه المتصوفة من رؤى عن الله عز وجل، ثم عن الكون والحياة والإنسان، وتحليل المنهج الصوفيّ في المعرفة والتلقي، مع مراعاة أدوات المعرفة الصوفيّة وموقع العقل والبداهة منها، وقبل ذلك تعاملها مع الوحي كمصدر مركزيّ للمعرفة، ودور العقل في التعامل مع المعطيات والحقائق، واستكناه حقيقة القول بأولويّة المعرفة اللدنّية، أو الذاتيّة، والتجربة، والتذوق في الوصول إلى الحقيقة، ومدى قابليّة هذا المنهج الصوفيّ -إن صح تسميته منهجًا- للتعميم، ليكون عامًا للناس كلهم، وسبيلا موصلًا ومفضلًا على العقل والبرهان.

إنّ البحث في هذا المستوى يحتاج إلى اطلاع واسع، وتأمل دقيق في التجربة الصوفيّة، لذا فإنّ مقالنا هذا لن يهتم بالجذر اللغويّ كثيرًا، وإثبات مدى الأصالة الشرعيّة تاريخيًا لهذا المنهج -الصوفيّ- وإنما سننظر إليه كظاهرة سلوكيّة وعباديّة وتأمّلية.

ومن هذا الوجه، فالتصوّف من حيث هو ظاهرة سلوكيّة وعباديّة، وتطهير للنفس الإنسانيّة وتأمل وفكر في الوجود، أصيل في الإسلام. فالتربية الروحيّة في المجتمع الإنسانيّ وصياغة شخصيّة الإنسان في ظلها لكي تحفظ توازنها أمام مغريات الحياة، كانت من المهمات الواضحة للوحي (القرآن والسنة) .

فالقرآن الكريم قائم أساسًا على الدعوة إلى الله تعالى وعبادته، وتطهير النفس الأمّارة بالسوء، وبيان سبل الاستقامة والسلوك الموزون في الحياة.

وإنّ الإيمان العقليّ المجرد بخالق الكون ثم بالقيم والفضائل التي تنبعث من هذا الإيمان لا يمكن أنْ يجعل من الإنسان يقظ الحس، رقيق الوجدان، مستقيم السلوك، رباني المشاعر، متطلعًا إلى رضوان الله بشوق وانتظار.

ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم وجدنا آيات كثيرة تدعو الإنسان إلى الجانب الروحيّ من حياته، ضمن الإطار العام في الكيان الإنسانيّ المتكامل.

فقول الله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر: 99] ، وقوله عز وجل: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا) [السجدة: 16] ، وقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [الشمس: 9-10] ، وآيات كثيرة شواهد على اهتمام الإسلام بتربية الروح وتعويد النفس على الطاعة عن طريق العبادة الشاملة في الحياة كلها.

ولقد أحدثت التربية النبويّة الشريفة تغييرًا كليًا في النفوس، وأيقظت الأرواح، ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته وأمته من بعده إلى تأمل كتاب الله، فأشرقت قلوب صحابته، واقتدوا به صلى الله عليه وسلم في عدم إعطاء حياة الشهوات أكثر من حجمها، وعدم التذلّل لها، وتميّز من بينهم جمع من خالص أصحابه، كانوا -كما وُصِفوا- رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، استغرقوا في العبادة والصلاة وقراءة القرآن والكفاح اليومي على نهج النبوّة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم ورث هؤلاء الصّحابة في مسلكهم في العبادة كبار التابعين وتابعيهم، واستمر هذا الاتجاه الذي سمّي بالزهد في المجتمع الإسلاميّ، نتيجة تطور أوضاعه.

إذ كلما استبدت المغريات المادية بالناس، وكثرت الآثام، وظهرت المفاسد، وانتشرت المظالم، علت الدعوة إلى محاربة النفس الأمّارة بالسوء.

وكان الوعّاظ وأهل الزهد والإرشاد ينبهون الناس إلى الثغرات الروحيّة في الحياة وكيفيّة معالجتها، وكانوا ينطلقون من منطلقات قرآنيّة.

وبقي الاتجاه الروحي على صفائه الإسلاميّ، حتى بعد تطوره إلى فكر، واتخاذه مصطلح"التصوّف"بوضوح ابتداء من القرن الثالث الهجريّ، حيث انقلب التصوّف إلى علم قائم بذاته، سمّي بعلوم الخواطر أو الأحوال أو المكاشفات (1) .

يقول ابن خلدون:

"هذا العلم من علوم الشريعة الحادثة في الملّة. وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحقّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامًّا في الصّحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوفة" (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت