دعوة ونداء
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
(( المص . كتاب أنزل َ إليك فلا يكنْ في صَدْركَ حرَجٌ منهُ لتنذرَ به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم و لا تتبعوا من دونهِ أولياء قليلًا ما تذكرون ) ) [ الأعراف: 1ـ3 ]
مع هذه اللحظات المظلمة من حياة الأمة المسلمة ، لا يختلف اثنان على أن الخطر محدق وأنَّ النوازل منذرة بعذاب شديد من عند الله .
ولا يختلف المؤمنون الصادقون أبدًا على أن الله حق عادل لا يظلم أبدًا ، وأنْ ما نلاقيه هو بما كسبت أيدينا نحن المسلمين .
وإذا غفلنا عن العبر والدروس كلها من تاريخنا الطويل ، فلا يعقل أبدًا أن نغفل عن العبر التي يقدمها القرن الأخير ، القرن العشرون ، وما لاقاه المسلمون من فشل بعد فشل ، وما لاقته الأمة كلها من فواجع وأهوال ، وهزيمة بعد هزيمة ، ذلك كله بما كسبت أيدينا .
وإنّ الكبر الذي في النفوس ، الكبر الذي يزينه الشيطان للكثيرين ، والعصبية الجاهلية لأوثان شتى ، أوثان من عرض الدنيا ، ومن أهوائنا ومصالحنا الشخصية ، ومن إقليمية وقومية وعائلية ، ومن حزبية انحصر فيها الولاء حتى مزقتنا ، وأوثان من شهوة المال والسمعة وحب الدنيا ، هذه كلها أعمت أبصارنا عن أن نرى أخطاءنا وعيوبنا ، وأقعدت عزائمنا عن معالجة العيوب والأخطاء ، حتى تراكمت العيوب وأقامت حاجزًا عاليًا يحجب الرؤية العادلة ويخنق الكلمة الأمينة .
لذلك نوجه الدعوة والنداء إلى المؤمنين الصادقين ، ليلتقوا في لقاء كريم ، في لقاء المؤمنين ، ليلتقوا على حق بين لا يصح الخلاف فيه في دين الله ، وعلى أسس محددة يأمر بها الله سبحانه وتعالى ، وعلى نهج مفصل يقوم على ذلك كله ، وعلى قاعدة عامة رئيسة يجب أن نتعاون فيما أمر الله أن نتعاون فيه ، ويعذر بعضنا بعضًا فيما أذن الله لنا الخلاف فيه .
وإنْ أول الأمر أن ننبذ تلك الأوثان كلها ، والعصبيات كلها ، حتى يكون ولاؤنا الأول ولاءٌ خالصًا لله وحده ، نقيًا صافيًا ، تثبته الكلمة والموقف والسلوك ، وعهدنا الأول هو عهدنا الثابت مع الله ، عهدًا بينًا فصله منهاج الله . وأن ينبع من هذا الولاء الأول الخالص لله والعهد الأول كل موالاة وكلُ عهد بين المؤمنين ، وكلُ مودة وأن تعود الروابط روابط إيمانية يصوغها منهاج الله قرآنًا وسنة ولغة عربية ويصوغها الإيمان والتوحيد في واقعنا ، وأن توضع المناهج العملية التطبيقية لبناء ذلك وتكوينه وصياغته ، ولتنميته وحمايته .
وإن الأمر الثاني بعد الإيمان والتوحيد والمناهج التطبيقية لبنائه في النفوس ، هو التزام منهاج الله قرآنًا وسنة ولغة عربية ، التزامًا عمليًا منهجيًا لا التزام شعار ، التزام علم وتدبر وتصديق وممارسة إيمانية في الواقع ، وأن تقوم المناهج التطبيقية لتحقيق ذلك في واقع المسلمين ، كما كان في مدرسة النبوة ، حتى لا تظل قضايانا الإيمانية شعارات ومزايدات في أمواج يدفعها التنافس على الدنيا ، حتى نتبع في ذلك كله أمر الله وما أنزله إلينا (( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ... ) ) ، وحتى لا نتبع من دونه أولياء أبدًا . واتباع الذي أنزل من عند الله لا يتم إلا بصدق الإيمان والتوحيد ، وبصدق العلم بمنهاج الله ، وبفهم الواقع الذي نعمل فيه ، وبسلامة الممارسة الإيمانية .
والأمر الثالث الذي ندعو إليه هو أن يصاحب دراسة منهاج الله دراسة الواقع الذي جهلناه طويلًا ، وأن تكون دراسة الواقع دراسة منهجية من خلال دراسة منهاج الله ، قائمة عليه ملتزمة به ، نرد الواقع كله إلى كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ردًا أمينًا يقوم على صدق الإيمان والتوحيد ، وعلى صدق العلم بمنهاج الله ، وأن تقوم المناهج التطبيقية التفصيلية لتحقيق ذلك في واقع الأمة ، تحقيقًا عمليًا ، حتى لا تظل قضايانا الإيمانية تموج في شعارات وزخارف لا نجد رصيدها الحق في الواقع .
والأمر الرابع هو الممارسة الإيمانية التي يجب أن تخضع للأسس الثلاثة السابق عرضها ، من خلال التدريب المنهجي والإعداد والبناء المنهجي ، في مدرسة الدعوة الإسلامية لتأخذ الممارسة الإيمانية شمولها وامتدادها في واقع الأمة ولتأخذ سائر خصائصها الربانية .
وإننا نؤمن أنها مسؤولية كل مسلم يلتزم بذلك ، ثم يدعو بيته وأسرته حتى يلتزموا ، ثم يكون كل مسلم مسؤولًا وعونًا صادقًا على جمع كلمة الأمة كلها على هذا الحق الذي يأمر به الله ، دون أن يعطله الضعفاء والحائرون وأعداء الله المفسدون في الأرض ، ثم تنطلق الأمة المسلمة الواحدة كلها لتدعو الناس جميعًا إلى الإيمان والتوحيد .
وإننا نؤمن أن هذه الجهود كلها يجب أن تنتظم في نهج مفصل محدد ، يرسم الدرب ويبين معالمه ، ويحدد الأهداف التي يقود إليها الدرب ، حتى لا تنفصل الأهداف عن الدرب ، وحتى يجتمع الدرب والأهداف في نهج واحد يقوم على الأسس الأربعة السابق ذكرها .