أحمد فهمي
كثرت في الآونة الأخيرة التصريحات والبيانات التي تتحدت وتدعو إلى المصالحة والوحدة بين السنة والشيعة في العراق ، وهي أخبار تُحدث نوعا من السرور والارتياح لدى النفوس والعقول الساذجة التي تبحث عن أي شيء يطمئنها ولو كان كلاما فارغا من أي مضمون أو دلالة واقعية .. وهنا يثور التساؤل: هل يمكن حقيقة أن تنشا وحدة أو مصالحة بين السنة والشيعة في العراق ؟ وهل يوجد فعلا ما يطلق عليه البعض"وحدة المصير"بينهما ؟ .. إن الذي يدَّعي الإيجاب في إجابة هذا السؤال لا شك أنه يناطح حقائق الدين والتاريخ والجغرافيا ، وإن كنا في هذا المقال لن نعرض لحقائق الدين ، كونها واسعة المجال ، وتحتاج إلى كتابات متخصصة .. وسعيا لتكوين رؤية واضحة في هذه القضية الإشكالية ، نقدم بعض المعطيات حول الأداء السياسي للشيعة في العراق ..
إن المتأمل في التاريخ الشيعي عبر القرون ، يمكنه أن يلاحظ ببساطة أن التناقض هو أساس لـ: المعتقد , والأداء السياسي الشيعي ، فالتشيع بدعة تكونت ونمت وتطورت عبر السنوات ، وكانت في كثير من الأحيان أشبه بصندوق تبرعات مغلق يلقي فيه من يمر عليه ما يتوفر بين يديه ، فتشكلت شعائر وشرائع خاصة بالشيعة كانت صفتها الأساسية افتقاد النظرة الموحدة أو المحور الثابت ..
وما مسلك"التقية"المعروف عند الشيعة إلا أحد دلائل هذا التناقض ومسبباته في ذات الوقت ، ويمكن القول بجلاء أنه لا يمكن لزعيم شيعي أن يطرح بجرأة قائمة"المحرجات"أو الأمور المحرجة ضمن الثوابت الشيعية ، لأنه لو طرح ذلك مؤيدا فسوف ينقض المذهب ، وإن طرحه ناقدا فسوف يطرد منه ويتهم بأنه"تسنن"..
لذلك ولغرض بقاء المذهب ابتكر علماء ومفكرو الشيعة تكتيكا خاصا لتجاوز هذه التناقضات العقدية أولا ثم السياسية ثانيا ، والتي تكونت نتيجة كونهم أقلية في كل مكان يحلون به ، هذا التكتيك ربما لم يدونه أحد في مدونة مستقلة ، ولكن يمكن للمتابع أن يستقرأه من تاريخ الطائفة وواقعها بيسر ، و"التقية"في حقيقة الأمر هي الشكل البدائي الأولي لهذا التكتيك الذي تطور كثيرا في عصور لاحقة ، وأكثر من يطبقه هم قادة الشيعة الذين يجمعون بين الدين والسياسة في أداءهم .. ونذكر ضمن مفردات هذا التكتيك السياسي أربعة أساليب تتبعها قيادات الشيعة في العراق حاليا للتعامل مع الأوضاع المتشابكة ، ويمكن صياغة هذه الأساليب في شكل حكم سياسية كما يلي: التراجع المحسوب خير من المواجهة الغامضة - لا تقل اليوم مالا تقدر على إنكاره غدا - مائة لسان خير من لسان واحد - ابتسم للعدو وكشر عن أنيابك للصديق ..
الأسلوب الأول:"التراجع المحسوب خير من المواجهة الغامضة"فلا يحب الشيعة أن يُحشروا في جب لا يعرفون طريق الخلاص منه ، وإن كان فيه مغنم محتمل ، ويتحدد فعلهم السياسي في كثير من الأحيان حسب القدرة على التراجع عنه أو إنكاره ، ويلعبون في ذلك على وتر الخلافات الطبيعية القائمة بينهم من حيث تعدد المرجعيات والأحزاب والتنظيمات ، ومن الأمثلة على ذلك تراجع السيستاني مرتين في زمن متقارب ، الأولى عن موقفه من إجراء انتخابات مبكرة في العراق ، والثانية عن موقفه من قانون إدارة الدولة ، وكان الخط الأحمر في المرتين يتحدد عند الغضب الأمريكي من التصلب الشيعي ، حتى وإن أدى ذلك لإحراج جماهيري ، يتم تغليفه بمهارة وبأساليب أخرى موضحا لاحقا
الأسلوب الثاني:"لا تقل اليوم مالا تقدر على إنكاره غدا"من يتتبع الخطاب السياسي الشيعي في العراق ، سيكتشف أنهم يطلقون تصريحاتهم بصيغ تحتمل أكثر من وجه ، ولديهم قدرة عالية على النفي والإثبات دونما توثيق ، تجد ذلك واضحا في تصريحات بحر العلوم الرئيس الحالي للمجلس الانتقالي ، وفي تصريحات عبد العزيز الحكيم ، والسيستاني الذي يحترف نفي ما يثبته ، وحتى مقتدى الصدر الذي يتبنى خطابا ثوريا تتميز تصريحاته بإمكانية طيها واتهام الإعلام بإساءة تفسيرها ، ومن الطريف أن هوشيار زيباري وزير الخارجية العراق"الكردي"وقع في سذاجة في فخ شيعي جعله يطلق تصريحات غاضبة من موقفهم يتهمهم فيها بالتحالف مع أطراف خارجية ، وهو ما اضطر أن يتراجع عنه في موقف مهين بعد ذلك .. ومن تطبيقات هذا المفهوم أيضا ، قدرة الشيعة على تبني أفعال ينقدونها بخطابهم ، فعندما تصاعدت أزمة قانون إدارة الدولة الذي عارضه الأعضاء الشيعة ، واضطروا إلى الموافقة بضغط أمريكي ، قام هؤلاء الأعضاء على الفور وخارج قاعة الاحتفال بالتوقيع ، بإطلاق بيان يرفضون فيه القانون الذي وقعوا عليه ، وبطريقة جعلتهم يصطفون بمهارة في خندق المعارضين لا الموقعين ..