يتناول الدرس الأساليب المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية التعامل مع أخطاء الناس كالمسارعة إلى تصحيح الخطأ وعدم إهماله، و معالجة الخطأ ببيان الحكم،و ردّ المخطئين إلى الشرع وتذكيرهم بالمبدأ الذي خالفوه،و بيان مضرة الخطأ، إلى غير ذلك من الأساليب النبوية في هذا الباب .
'1' المسارعة إلى تصحيح الخطأ وعدم إهماله: ومسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تصحيح أخطاء الناس واضحة في مناسبات كثيرة: كقصة المسيء صلاته، وقصة المخزومية، وابن اللتبية، وقصة أسامة، والثلاثة الذين أرادوا التشديد والتبتل، وغيرها، وستأتي هذه القصص في ثنايا هذا البحث إن شاء الله . وعدم المبادرة إلى تصحيح الأخطاء قد يفوّت المصلحة، ويضيّع الفائدة، وربما تذهب الفرصة، وتضيع المناسبة، ويبرد الحدث، ويضعف التأثير .
'2' معالجة الخطأ ببيان الحكم: فعن جَرْهَدٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ'رواه الترمذي .
'3' ردّ المخطئين إلى الشرع وتذكيرهم بالمبدأ الذي خالفوه: في غمرة الخطأ وملابسات الحادث يغيب المبدأ الشرعي عن الأذهان، ويضيع في المعمعة فيكون في إعادة إعلان المبدأ والجهر بالقاعدة الشرعية ردّ لمن أخطأ، وإيقاظ من الغفلة التي حصلت، وإذا تأملنا الحادثة الخطيرة التي وقعت بين المهاجرين والأنصار بسبب نار الفتنة التي أوقدها المنافقون؛ لوجدنا مثالا نبويا على ذلك، فعن جَابِر رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ يَا لَلأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:'مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ' ثُمَّ قَالَ:'مَا شَأْنُهُمْ' فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ' رواه البخاري .وفي رواية مسلم:'وَلْيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا إِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ'
'4' تصحيح التصور الذي حصل الخطأ نتيجةً لاختلاله:فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ:'أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي'رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد . ونلاحظ هنا ما يلي: أن الأخطاء عموما تنشأ من خلل في التصورات، فإذا صلح التصور قلّت الأخطاء كثيرا، وواضح من الحديث: أن السبب الذي دفع أولئك الصحابة إلى تلك الصور من التبتّل والرهبانية والتشديد هو ظنّهم أن لابد من الزيادة على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم رجاء النجاة حيث أنه أُخبر من ربه بالمغفرة بخلافهم، فصحح لهم النبي صلى الله عليه وسلم تصورهم المجانب للصواب، وأخبرهم بأنه مع كونه مغفورا له فإنه أخشى الناس وأتقاهم لله، وأمرهم بأن يلزموا سنته، وطريقته في العبادة .