فهرس الكتاب

الصفحة 4102 من 27345

د. غازي صلاح الدين العتباني*

التحديث: وصفه، تداعياته وآثاره

أول ما يواجه المرء من صعوبة في هذا الموضوع هو المصطلح. إذ يتردد المرء بين استخدام لفظة"التحديث"أو لفظة"الحداثة". والأفضل في نظري استخدام لفظة"التحديث"لأن زنة التفعيل تفيد فعلًا نشطًا ومتجددًا وقاصدًا. وما نحن بصدده يتعلق بالفعل الهادف الذي يحركه المجتمع أو على الأقل تحركه الطليعة التي تقود المجتمع الناهض. وبرغم ذلك يبقى مجال لاستخدام لفظة"الحداثة"لوصف مجمل الظواهر الخارجية التي تتولد من عملية التحديث، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاتجاهات والتفاعلات الداخلية التي هي جوهر عملية التحديث.

وإذ يصعب الاتفاق الفيصل على تعريف دقيق للتحديث، يبدو أنه لا مهرب من شيء من التعقيد عند محاولة وصفه باختصار ربما أخلّ بالمضمون. وقد نقترب كثيرًا من وصف التحديث إذا قلنا إنه"اضطراد تكيف المؤسسات المصاحب لتشكل وظائف الحياة المتغيرة باستمرار مع تنامي المعرفة. تلك المعرفة التي ترافق التقدم العلمي والتقني والتي تجدد تحديات الحياة وتعيد تعريف علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي". والمؤسسات المذكورة في بداية العبارة تشمل المفاهيم، والمناهج، والشخصيات المعنوية كالتنظيمات، ومؤسسات الدولة والمجتمع.

إذن فدالة التحديث هي تنامي المعرفة التي تعيد تشكيل مفاهيم الإنسان وتحدياته باستمرار. والتحديث بذلك ليس ظاهرة طارئة، بل هو ظاهرة متجددة في التاريخ ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالحضارة الغالبة، في حقبة ما، بسلطانها المادي أو المعنوي أو بكليهما. ولربما اتسع وقع جوهر الحضارة على عملية التحديث، أو ضاق، تبعًا لمدى نفوذ تلك الحضارة واتساع رقعتها. فالحضارات الصينية و الهندوسية باعتبارهما حضارتان إقليميتان قادتا التحديث في رقعة أضيق من التي نفذت إليها الحضارة الإسلامية أو الرومانية.

من الطبيعي إذن أن نجد أقوى مظاهر التعبير عن التحديث المعاصر في الغرب. وهذه هي الحقيقة التي تمثل عقدة مفتاحية للعقل المسلم عند تعامله مع مسألة التحديث، ومن الواجب وضعها في أبعادها الصحيحة عند تناول القضية بصورة موضوعية.

لقد ولّد التحديث المعاصر في الغرب مفاهيم وأنماطاَ ونظمًا ما تنفك تتجدد وتتطور بوقع العلم والتكنولوجيا. تمتد تلك الأنماط من الحيز الشخصي للإنسان، إلى أسرته الصغيرة، إلى مجتمعه الواسع، إلى الدولة، إلى العالم بأسره، بل إنها أخذت تتعدى شيئًا فشيئًا إلى بدايات الكون المحيط. ولقد أوجد ذلك حقائق وسنن جديدة في خاصة حياة المرء، وفي علاقاته بالأفراد المحيطين به، وفي علاقات الجماعات فيما بينها داخل القطر الواحد أو ما وراء الأقطار، وفيما بين المجتمعات والدول، وفي علاقة الإنسان ببيئته.

بهذا التولد والتجدد الذي يمضي بصورة متسارعة، أخذت تتهاوى الحقيقة المطلقة أو الثابتة كما أخذت تتبدل المعايير والثوابت فصارت النسبوية منهجًا في النظر والحكم على الأشياء والمسائل. (النسبية هى حالة واحدة، والنسبوية هي النظرية أو السنّة أو المنهج العقلي أو القاعدة المضطردة التي تمضي عليها الأحوال) . وبذلك بدا أنه لا يوجد حق واحد، بل الحق متنوع، وكل سؤال له إجابات متعددة بلا تناه. وعلى صعيد المعرفة والعلم لم يعد هناك مبدأ نهائي واحد متفق عليه، كما أنه على صعيد المجتمع لا يوجد نموذج واحد للأشياء، وعلى صعيد النظم لا يوجد مثال واحد.

هذا المنهج المتصاعد أخذ يعيد صياغة العلاقة الرابطة بين التاريخ والمستقبل، فلم يعد التاريخ مؤثرًا في المستقبل كما كان، أي لم تعد للتاريخ قدسيته التقليدية في إلهام الفرد والجماعة، ولم تعد مقاييسه وأنماطه هي الحاكمة، فخرج بذلك شيئًا فشيئًا من أن يكون معيارًا للحق أو الباطل. وبدوره أدى تضخم فكرة المستقبل وحضوره على حساب التاريخ في العقلية المعاصرة إلى تعمّق النسبوية، فالمستقبل الآن أصبح مليئًا بالاحتمالات والخيارات المتنوعة التي لا يمكن مضاهاة القوالب التاريخية الجامدة بها.

لقد صاحب هذا التحول الهام في مسيرة الإنسانية ما سمي بحركة الإصلاح الديني المسيحي في بداية القرن السادس عشر الميلادي ونشوء الفقه الاحتجاجي (البروتستنتينية) المتمرد على المفاهيم الكاثوليكية وطقوسها. لقد ساهمت الحركة الاحتجاجية في ترسيخ كثير من المفاهيم الحاكمة في الثقافة العالمية الشائعة اليوم. وليس مستنكرًا الزعم بأن معايير الحداثة الغالبة في هذا العصر إنما يمكن ردها إلى التعاليم الاحتجاجية تحديدًا وليس إلى المفاهيم المسيحية بصفة عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت