فهرس الكتاب

الصفحة 18155 من 27345

علوم الشريعة في الجامعات الواقع والآفاق(*)

أ. د. عماد الدين خليل 6/6/1427

يمكن أن تكون البداية: الحالة النفسية والاجتماعية والوظيفية لطلبة علوم الشريعة وخرّيجيها في القرنين الأخيرين بوجه التقريب، مقارنة بالحالة نفسها في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية.

كان المعني بالعلوم الشرعية، أو الفقيه، يقود الحياة، ثم ما لبث أن انسحب إلى هامش الحياة، فأصبحت تقوده بضغط الضرورات النفسية والاجتماعية والوظيفية.

وكان يملك عقلًا ابتكاريًا متوقّدًا، يقدر في لحظة على تكييف هذه المفردة أو تلك وفق مقاصد الشريعة، فيعين على تمكين الخبرة الإسلامية من التواصل والاستمرار بالالتحام بالحياة، ثم ما لبث أن فقد هذا التألق، أو تعمد أن يطفئه استجابة لحالة اجتماعية يحكمها تقليد السابقين واتباع خطى الآباء والأجداد، وتعيّن على نسج خيوطها الكالحة ضغوط السلطة الاستعمارية

(الخارجية) تارة، والمحلية (الداخلية) تارة أخرى، وهي الضغوط التي استهدفت عزل الشريعة عن الحياة، ونسف الجسور المقامة بين الطرفين، بما فيها"الفقيه"الذي أُريد له ألاّ يشارك في عملية التغيير أو الصياغة أو إعادة تعديل الوقفة، وأن يتحول إلى واعظ، أو خطيب جمعة تقليدي، أو مدرّس دين ولغة عربية يتلقى في معظم الأحوال أجره الشهري من الحكومات.

وإذْ تعمد أن يكون الأجر زهيدًا لا يكاد يسدّ الرمق، وكان العالم أو الفقيه غير قادر على أي حرفة إضافية تعينه على الارتقاء بمستواه المعاشي صوب الحد الأدنى من سوّيته المعقولة، انعكس ذلك كله عليه ، فأصبح مسحوقًا ، ممتهنًا ، ضعيفًا لا يملك في معظم الأحيان"الشخصية"الآسرة القوية المؤثرة التي تمكنه من أداء دوره المطلوب.

لقد رأينا جميعًا هذا بأم أعيننا .. ثمة حالات استثنائية بكل تأكيد، ولكنه الاستثناء الذي يعزز القاعدة ولا ينفيها.

يحدثنا الأستاذ (محمد قطب) في كتابه (واقعنا المعاصر) عن اللعبة التي مارستها السلطات الاستعمارية في مصر مع خريجي الشريعة واللغة العربية (كنموذج لما جرى في معظم ديار المسلمين يومها) . وكيف أعانها عليها، بمرور الوقت، قوم آخرون من سكنة ديار المسلمين أنفسهم والمحسوبين عليهم، وآل الأمر إلى أن يصير"العالم"أو مدرس الشريعة والعربية، أضحوكة بين الناس، يُتسلّى بها حتى في عروض السينما والإذاعة والتلفاز.

"تولى المستر دنلوب ـ القسيس الذي عينه كرومر مستشارًا لوزارة المعارف ـ مهام منصبه ، وكان في يده السلطة الفعلية الكاملة في وزارة المعارف المصرية الإسلامية (وحين يكون القسيس على رأس السلطة في وزارة التعليم، فما الذي يُتوقع أن يكون من أمر التعليم ؟) "

"جاء دنلوب ليضرب الأزهر ـ موطن الخطر على كنيسة المسيح ـ ولكن بغير حماقة نابليون التي كانت سببًا في استثارة المسلمين."

"ترك دنلوب الأزهر على ما هو عليه لم يتعرض له على الإطلاق، ولكنه ـ على الأسلوب البطيء الأكيد المفعول ـ فتح مدارس جديدة تعلم (العلوم الدنيوية) ولا تعلّم الدين إلاّ تعليمًا هامشيًا هو في ذاته جزء من خطة إخراج المسلمين من الإسلام."

"... لقد كان المتخرج من هذه المدارس ـ بعد أربع سنوات فقط ـ يُعيّن فور تخرجه في دواوين الحكومة (براتب ذي قوة شرائية عالية) أما خريج الأزهر الذي يقضي في الدراسة عشرين سنة من عمره في بعض الأحيان فلا يجد عملًا، وإن وجد عملًا في إقامة الشعائر في المسجد فبمائة وعشرين قرشًا، تكفي للحياة نعم ، ولكنها حياة ذليلة ضئيلة بالنسبة لخريج المدرسة الابتدائية الذي يعمل في الديوان!"

"لقد كان الانتساب إلى الأزهر فيما مضى شرفًا تتسابق إليه الأسر .. أما في عهد دنلوب فلم يعد يذهب إلى الأزهر إلا الفقراء الذين يعجزون عن دفع مصروفات المدارس الحديثة ، وفي الوقت ذاته ينالون جزاء فقرهم ضياعًا في المجتمع وهوانًا فيه."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت