فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 27345

"من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، عبارة ردّدها السلف، وعملوا بمقتضاها، ولم يكن فيهم من يتصرف كالنعامة، تدسّ رأسها في التراب، ظانّةً أن الصياد لا يراها لأنها لا تراه!!! وها إن الأمة في أمس الحاجة إلى أن يتقدّمها السائرون على نهج واضح، ممّن بصّرهم الله، بسوابغ النور، في زمن الظلمات المتكاتفة، والأزمات المتلاحقة.

وإن حديثنا هذا، في زماننا هذا، أمر يفرضه الشعور العارم بالمسؤولية، والرغبة في أن نتدارس شأن الأمة، ولا سيما في محيطنا القريب، وإن كان لا يمكن فصله عن التأثيرات الإقليمية. نعم، لا بد أن نتعرض للتجربة التي مر بها لبنان، منذ 12 تموز، حتى بلوغ القرار 1701، حتى نعلم ما الذي أفرزته هذه التجربة، من خير للأمة، وما جرته عليهم من بلوى، وحتى نعلم ما قيمة هذه التجربة في سياق مشروع الأمة الكبير، الذي أصبحت تعي أنه أولوية في قاموسها السياسي، إنه مشروع توحيد بلاد المسلمين في كيان واحد، يرتكز على أساس شريعة الإسلام.

لقد أثبتت الوقائع العسكرية هشاشة العقيدة القتالية في جيش يهود، وأعطت العالم من أقصاه إلى أقصاه، التكذيب الفاضح لكل مقولات التفوق الميداني لذلك الجيش الذي أصبحت أسطورة أنه لا يقهر، طرائف يتسلّى بها أطفالنا، حين تنقطع الكهرباء، ولا يجدون رسومًا متحركة، تشبع نهمهم إلى الخرافات، أو تثير ضحكهم.

وثمة أمور عديدة ولّدت هذه الهزيمة الميدانية.

قد يكون أبرزها أن شخصية المقاتل هذه المرة، قد دخلت في تركيبتها العقيدة الإسلامية، وإن كان لنا رأي مخالفٌ في بعض فروعها. وقد يكون أن أجهزة الأمن العربية لم تكن حاضرة بوسائل تنصّتها، في أرض المعركة، حتى تؤدي دورها المعهود في تسليم ما تملكه من معلومات، إلى"الأسياد"، حتى يظلوا هم"الأسياد"!

كان من ثمار هذه التجربة إذًا، أنها زادت من تعرية الأنظمة المتخاذلة، وهو وصف شامل، لكل ما تقع عليه عينك من دويلات كثيرة العدد، قليلة البركة، على خارطة العالم الإسلامي. لقد أشبعتنا دوائر الأبحاث الإستراتيجية، وأبواق الإعلام العربية، حديثًا عن الواقعية والتسليم بالأمر المفروض على الأمة، داعية إلى الانبطاح وهجر التوق إلى السلاح، زاعمة أن الجيوش العربية جربت أن تحارب كيان يهود، وعجزت، فعلينا أن نتعامل بإيجابية مع هذا التفوق، ونعترف بإسرائيل، وكأن أحدًا يشك في أن الحروب المصطنعة تلك كانت مسرحيات هابطة، قدّروا لها الفشل سلفًا، حتى يسوّغوا بعدها للزاحفين أذلاّء، أن يقوموا بعملهم وحولهم بعض المصفقين!!!

وقد فضحت الأيام الغابرة، ولها أن تفضح أكثر، الأنظمة المتحكمة برقاب المسلمين، في لبنان وغير لبنان، التي تستهتر بجراحات الأمة، وتتنحى بعيدًا عن ساحة الصراع، ساحة التلاحم مع العدو، وتنتظر أن ينجلي الغبار، لتتبرع بالمال اللازم لإعادة الإعمار، وهذا يعني أن هذه الأنظمة تشبه الأب الثري الذي يرى ولده المدلّل، يحطم سيارات الجيران، وزجاج نوافذهم، ثم يقول مبتسمًا، نافشًا ريشه: لا تأبهوا! أنا أتكفّل بإصلاح ما خرّب. إن الطفل المدلّل هنا، ونقولها بخجل، هو كيان يهود، الذي لا تستطيع، أو لا تريد، دولة قائمة في عالمنا الإسلامي، أن تزعجها بإفساد هوسها في التدمير.

وكان في وجدان الشريحة الأكثر انتشارًا، على امتداد بلاد الإسلام، انتقادات محقّة توجّهها إلى قيادة المقاومة، في لبنان، لأنها كانت لا تأخذ موقفًا واضحًا من السياسة المبهمة التي تمارسها إيران، إزاء احتلال أميركا لأفغانستان والعراق. ومع هذا وذاك، تجاوزت الأمة، بمعظمها، كل السدود، حين وقع عدوان يهود، ووقفت بخالص مشاعرها، ترجو النصر أن يحالف"إخوة العقيدة".

إلاّ أن هذا الإنجاز العسكري، الذي طال انتظاره عقودًا، تراجعت مفاعيله في عيون المراقبين، وخبا جزء بالغ من أثره في الأمة، عندما لم يجد قيادة سياسية تحتضنه، أو مظلة سياسية تحميه. وهكذا كان القرار 1701، الذي مكّن ليهود في حلبة السياسة، وفي أروقة المنتديات الدولية، ما أزال كثيرًا من مغبّات الفشل الذي ذاقوا مرارته. فقد ساوى هذا القرار بين الجلاد والضحية، بين المعتدي والمعتدى عليه، وجعل الخطر متأتيًا من إمكان قيام أطراف لبنانية بعمل يستفزّ يهود، ولذلك كان التركيز على نشر قوات طوارئ في الجانب اللبناني، يحول دون استعمال السلاح المناوئ لذلك الكيان الغاصب. ولم نجد إجراءات تمنع ذلك الكيان، ممّا تسميه الدوائر الغربية"الاستخدام المفرط للقوة"، ولا أدنى إشارة إلى وجود قوات دولية في الجانب الذي يحتله! ولقد كان من العدل أن يُحمَّل كيان يهود تبعات التدمير الهمجي، الذي هو في كل المقاييس غير مسوَّغ، فليس من قانون دولي يجيز شن حرب واسعة النطاق، من أجل أسيرين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت