فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 27345

ولنا أن نتبصّر في القدرة العسكرية على إحباط زحف يهود، تلك القدرة التي تلقّفتها"دول الممانعة"الحليفة، والدول المنبطحة في طابور التفاوض، وأفرغتها هذه الدول، وتلك، من بعض مضمونها الجميل، ودفعت بالذين وقفوا في وجه قوة يهود العاتية، إلى الرضوخ، والقبول بدخول قوات أجنبية، هي في حقيقة الأمر، غازية، وكان المنطق السليم أن يُتّخَذ منها موقف العداء نفسه! وهكذا كان يطرح الكثيرون بحسرة: ما الفائدة المرتجاة من منع يهود أن يدخلوا، إذا أعطيت"الشرعية"لجنود أوروبا، مثلًا، أن يدخلوا، وينتزعوا السلاح؟! وكيف يُستَقبل حليف يهود في العدوان، السفّاح بلير، في لبنان، البلد الذي طرد شراذم اليهود، وأرغمهم على أن يصرخوا متأوّهين!؟ وها هي غدًا وزيرة الدفاع الفرنسية، أي المسؤولة عن الحرب، تصل إلى بيروت، وتُستَقبَل، بدل أن تقول لها الحكومة: لا مكان لك في الأرض التي دمّرتها أسلحة حلفائك، وكبّلتها القرارات التي دبّرتها!

لماذا كان القرار 1701، على هذا الحد من الإجحاف؟؟

إن الإناء ينضح بالذي فيه، وهذه الأندية الدولية- ولو قالوا"أندية ليلية"، لما عابهم أحد- قامت على أساس الظلم، ودوْس الشعوب الصغيرة، ومصادرة لقمها، وإهدار قرارها، واستنزاف طاقاتها، فمن الغباء أن ننتظر من الهرّة أن تتبرع بقلبها إلى فأرة! ومن التهور الذي لا يليه تهوّر، أن تعمد الحكومة في لبنان، وسائر الأطراف السياسية، إلى وضع البيض في سلة كونداليزارايس!!

وإن أصحاب القرار في البلاد الإسلامية، لا يكلفون أنفسهم مشقة الذهاب إلى حيث منفعة الأمة. هم محكومون بأجهزة التحكم عن بعد، ويريدون، أو يُرادُ لهم أن يهيئوا الطاولة للتفاوض مع كيان يهود، ولذلك لا بد من إخماد جذوة من يجابه مشاريع التسوية، وهم ما كانوا ليستطيعوا ذلك لو أن الأيادي التي كانت تتحكم بالزناد، في هذه المواجهة الرادعة، تجرأت أن تشير بوضوح إلى المتاجرين بورقة المقاومة، في دمشق وطهران، كما كانت لها الجرأة أن تطال ألسنتها قومًا آخرين، لا نأسف أن طالتهم. فهل عوّض على المقاومة، هذان النظامان، ما فقدته؟ هل كانا فعلًا، إلى جانب مشروع المقاومة، و"الممانعة"، في اعتداء 12 تموز؟؟

وأمر آخر لا بد من التطرّق إليه، وهو أبعاد ما يجري في بلاد المقدس، من تخبّط سياسي، وحصار اقتصادي، وارتباك أمني داخلي، علاوة على الاحتلال اليهودي السافر منذ عقود.

إن الصحوة الإسلامية قاربت النُّضج في الآونة الأخيرة، وباتت الأمة ترغب في أن تسودها مفاهيم الإسلام، ولذلك هي تختار الإسلام، حين يكون المنافس أي طرح آخر، ولا سيما إذا كان هذا الآخر قد أفلس في إقامة ما سمّاه حلم الجماهير: الدولة الفلسطينية، رغم الاستجداءات الرخيصة، على مذابح معبدي أوسلو ومدريد! إن"خارطة الطريق"اهترأت، وأسقطت كل من يتعلّق بها، أو بأي وثيقة سياسية، أو بأي صفقة مشبوهة، ثمنها الاعتراف بدولة إسرائيل. إلا أن البديل الذي وصل إلى الحكم، بثياب الإسلام، لم يكن بالمستوى اللائق بالأمة وأحلامها، رغم التضحيات الشديدة لأصحاب هذا البديل، وإخلاص شبابه، وأرى أن ثمة عدة أسباب لهذا الفشل:

1.تخلّي هذه القيادات عن التبنّي العلني لمشروع الدولة الإسلامية، فقد تسلّمت مقاليد الحكم، ولم تقم بأي خطوة ملموسة نحو إعادة الحاكمية لله عزّ وجلّ، في مرافق الدولة.

2.التراخي في اتخاذ المواقف الصريحة من الأندية الدولية، التي لا يشك إنسان في أنها الغطاء القانوني لكل جدار عزل ينصبه يهود، ولكل مجزرة يرتكبها يهود، ولكل بيت يهدمه يهود، ولكل حقل يغتصبه يهود.

3.ركون قيادات هذا العمل الإسلامي، إلى دول هي في أذهان مئات ملايين المسلمين، دول أبادت آلاف المسلمين، كالنظام السوري، أو عملت على بذر الفتن المذهبية، كالنظام الإيراني، أو حافظت على العلاقات الآثمة بكيان يهود، كالنظام المصري. بل إن هذه الأنظمة الثلاثة يطرح الكثيرون تساؤلات عن مدى صدق ما تعلنه من ممانعة للمشروع الأميركي، وهي تبارك وجوده في العراق وأفغانستان، فكيف نستعين بها للقضاء على الاحتلال في فلسطين، وهو حليف الاحتلال الأميركي!!؟ ولنا أن نسأل عن رأي النظام الإيراني في زيارة خاتمي إلى وكر الإجرام الولايات المتحدة، التي ساندت يهود في العدوان على لبنان؟؟ هل حوسب؟ هل انتُقِد كما انتُقد من استقبل بلير في لبنان؟؟

4.قبول هذه القيادات أن تشكِّل هي والأطراف الراضية بكل التنازلات، والأطراف الحاوية لكل ألوان الفساد المالي، وفاقًا لتصريحات هذه القيادات الإسلامية، حكومة واحدة، ما يعني القعود الفعلي عن تغييرهم أو محاسبتهم.

5.عجز هذه القيادات عن الوفاء بالالتزامات المعيشية للناس، بفعل الحصار المضروب على السلطة الفلسطينية، قبل تشكيل حكومة حماس عامة، وبعد تشكيلها خاصة. وهكذا كان لأطراف عديدة أن تعلن فشل تجربة الحكم الإسلامية في فلسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت