خُذُوهُ فغُلّوه ثم في الخَنْكَةِ أَوْدِعوه!
(تقاليع مخبولة في دراسة السيرة النبوية)
د.إبراهيم عوض
عندى في قائمة المفضَّلة موقعٌ عثرتُ عليه في المشباك منذ شهور يضم بين الكتب التى يضعها تحت تصرف القارئ أكثر من خمسين سيرة نبوية باللغة الفرنسية: بعضها قائم برأسه، وبعضها فصلٌ من كتاب. وبعضها بأقلامٍ مسلمةٍ، والبعض الآخر من تأليف المستشرقين. وبعضها معروض كاملًا بقضّه وقضيضه، والقليل جِدًّا منها قد اكتُفِىَ بعرض خطوطه العامة مع بضعة نصوص قليلة منه، ومن هذا الصنف الأخير كتاب الطبيب النفسانى الفرنسى برنار راكان المسمَّى:"Un Juif nomme Mahomet: يهودىٌّ اسمه محمد". وقد اعتمدتُ في كتابة هذه الدراسة التى بين يَدَىِ القارئ على تلخيص الكاتب لأفكاره المودعة في كتابه، فضلا عن تعليقات بعض القراء على تلك الأفكار وردوده عليها. ونبدأ بما كتبه أحد قراء الكتاب المذكور تعقيبا على ما أثاره المؤلف من تشكيكات جامحة ترى في الإسلام وكِتَابه ونبيّه ووقائع تاريخه اختراعات كاذبة ملفقة تمت في وقت متأخر كثيرا عن التواريخ المعروفة للناس جميعا على ما سوف يتضح في هذه الدراسة. ويوجه القارئ المذكور الخطاب لراكان قائلا إن كتابه قد أقنعه تمام الإقناع، وبخاصة ما جاء فيه عن الخندق مما يمثل المسمار الأخير في نعشِ ما يعدّه خرافة لا صلة لها بالواقع، إذ إن هذا الخندق (الذى تقول كتب السيرة والحديث والتاريخ إن المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قد حفروه لحماية المدينة من هجوم الأحزاب عليها) هو في رأيه أمر لا وجود له في الواقع. ذلك أنه ليس ثمة دليل على أنه قد تم حفره فعلًا، ومن ثم فكل ما يقال عن الرسول ووجوده التاريخى هو محض هراء. ولا ينقص إثبات ذلك إلا شىء واحد، هو أن يتم التحقق، عن طريق الحفر أو التصوير الجوى، من أنه لم يكن هناك خندق بالمرة، وعندئذ يتبين للمسلمين أنهم كانوا يعيشون طوال هاتيك القرون على وهم كبير، ومن ثم يتركون الإسلام نهائيا.
والملاحظ أن المنطق المستخدم في كلام المعلق والمؤلف جميعا هو منطق متهافت تمام التهافت كما سيتبين للقارئ عندما نأتى إلى تحليل هذه الأفكار التى لا يمكن أن تدور إلا في عقلٍ مضطربٍ أو عقلٍ قصد صاحبه قصدًا منذ البداية التشكيكَ في كل شىء دون أدنى دليل: التشكيك لمجرد التشكيك رغم كل الطنطنات المدوية التى تكاد أن تتفجر منها رؤوسنا! قال القارئ المذكور الذى لم يكتب اسمه إنه قد اشترك في البحث عن بقايا بعض الفِلَل الغاليّة الرومانيّة في موقع يعود عهده إلى عصرٍ أقدمَ من عصر الخندق المزعوم بالمدينة، بَيْدَ أنه لم يعثر على أكثر من كسور بعض الزَّهْريات، وإنه قد استطاع أن يرى من الطائرة بقايا منازلَ تعود إلى عصر الرومان، وإن من الممكن جدا، بمجرد الحفر على عمق متر أو مترين أو أكثر من ذلك قليلا، العثور على آثار ترجع إلى أزمنةٍ جِدِّ سحيقةٍ مما لا يُعَدّ معها الزمن الذى يقال إن الخندق قد تم حفره فيه شيئًا مذكورًا، وبخاصة بالنسبة لخندق يقال إنه قد حُفِرَ بعمقٍ يستحيل معه على جندى المشاة عبوره، وبعَرْضٍ لا يتيح للفارس القفز فوقه بسهولة. وعلى هذا فمن الواضح تماما أن خندق المدينة، إذا كان قد حُفِرَ فعلا، لا بد أن يكون الآن موجودا رغم أنه قد أُعِيد ردمه بطبيعة الحال، إذ من المعروف أنه قد تم حفره في الصخر، والصخر لن يعيد نفسه بنفسه إلى ما كان عليه قبل الحفر، ومع ذلك فـ"الله أكبر"! وواضح أن الجملة الأخيرة هى سخرية من الكاتب! ومن المعروف، كما يقول، أن الخندق كان يحيط تماما بالمدينة، التى كانت أصغر كثيرا مما هى الآن، ومن ثم فلو حفرنا من أى نقطة حول المسجد باتجاه الخارج فلا بد أن يتقاطع الحفر مع الخندق القديم بعد قليل من الزمن: