فهرس الكتاب

الصفحة 6196 من 27345

الجامعة العربية ..مائدة الخلاف العربي !

محمد عبد الله السمان 11/2/1426

في أواسط عام 1948 م، ونحن في المركز العام للإخوان المسلمين، وشباب الإخوان يتأهبون إلى فلسطين جهادًا في سبيل الله لتخليص فلسطين من الصهاينة واسترجاع الأرض المغتصبة التف الصحفيون حول سماحة مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني آنذاك، فلم يسمعوا منه إلا عبارة واحدة: تكلم السيف .. فاسكت أيها القلم!!!

رحم الله مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني .. أذكى أذكياء الساسة العرب والمسلمين في العصر الحديث .. لم يخنه ذكاؤه .. لكن الموقف الحرج أرغمه على النطق بهذه العبارة منعًا لتسرب اليأس إلى النفوس .. كان على علم يقيني بأن السيف العربي قد أصابه الصدأ حتى لم يعد قادرًا على الكلام، ولا بد أن يحل القلم محل السيف ليتكلم في الهواء ما شاء له أن يتكلم!

أذكر أنني أجريت منذ أكثر من نصف قرن مع سماحة المفتي رحمه الله الحاج أمين الحسيني، ومع الدكتور عبد الرحمن عزام أول أمين عام للجامعة العربية رحمه الله حوارًا .. كان الاثنان متفقين في الرأي بأن دخول الجيوش العربية فلسطين مؤامرة خطط لها الاستعمار الغربي الصليبي المساند لليهود، ولن تكون النتيجة إلا في صالح شراذم اليهود، وكان الإمام"حسن البنا"على هذا الرأي .. وهو أن يذهب إلى فلسطين متطوعون .. فإن انتصروا كان خيرًا .. وإن لم ينتصروا كان العالم العربي في مأمن من إلحاق الهزيمة به .. إلا أن الأنظمة العربية لم تكن لها إرادة الرفض لمخططات الاستعمار!!

كان وعد بلفور المشئوم في الثاني من نوفمبر سنة 1917 م شهادة ميلاد لدولة إسرائيل بلا حياة، وكان دخول الجيوش العربية في حرب مع اليهود، قد منح هذه الدولة الحياة .. تسابقت الدول في الاعتراف بها، وتوج الاعتراف باعتراف هيئة الأمم المتحدة .. وأخيرًا اعترفت دويلة الفاتيكان بإسرائيل شكلًا بعد أن ظلت معترفة بها موضوعًا منذ قيامها في عام 1948 م .

ومنذ عقدت مصر الصلح المنفرد مع إسرائيل توقف السيف عن الكلام .. حيث لم يعد لكلام السيف معنى .. وإذا كان صلح مصر مع إسرائيل بداية المؤامرة على قضية فلسطين .. فإن اتفاقات التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كتب السطور الأخيرة في تنفيذ المؤامرة كما تتمنى إسرائيل .. وليس كما يتمناه العرب .. وبعد ذلك لم يعد العرب في حاجة حتى إلى سيف أخرس .. وإنما هم في أمس الحاجة إلى قلم يكتب، ولسان ينطق .. ولا أهمية لما يكتبه القلم، ولا لما ينطق به اللسان .. والمهم تخدير الشعوب التي تتظاهر ـ مرغمة ـ بقابليتها للتخدير وهي في أكمل يقظتها!!

وحتى لا نظلم السيف نقول:

هذا السيف ليس دائمًا مصابًا بالعي والخرس .. لأن إصابته تلازمه حين يواجه أعداء العروبة والإسلام .. ولكنه يتكلم بانطلاق في مجالين:

أولهما: حين تواجه الأنظمة العربية والإسلامية الشمولية معارضيها .. حيث لا تكفي السياط والهروات لردع معارضيها!!

ثانيهما: حين تكون المواجهة بين الشعوب العربية وأنفسها في صورة حروب أهلية من أجل فئة قليلة تسعى إلى السلطة دون أن تنزعج لاستنزاف الدماء البريئة!!

وحتى لا نتجنى على القلم نقول:

لم يستجب السيف لما قاله سماحة مفتي فلسطين ويتكلم .. كذلك لم يستجب القلم لما قاله سماحته ويسكت .. بل لقد انطلق .. لا لحساب قضيتنا المصيرية مع القوى المعادية للإسلام والعروبة معًا .. ولكن لحساب أهواء السلطة التي تدفع له الأجر بسخاء .. وهناك القلم الذي استجاب لما قاله سماحة المفتي، والتزم الصمت، لأنه عز عليه أن يشترك في زفة التزلف إلى السلطة .. و"تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها"كما يقول المثل العربي .

وهكذا صارت الأمة العربية والإسلامية في موقف لا تحسد عليه .. بين يأس من صليل السيوف .. وزهد في صرير الأقلام .. والشعوب العربية والإسلامية التي استمرأت ـ عن رضى وطيب خاطر ـ أن تظل مغلوبة على أمرها هي اليوم على هامش الحياة في معزل عن الأحداث الجسام ومن هذا المنطلق:

ترتكب القوى المعادية للعروبة والإسلام الجرائم البشعة ضدنا .. تمزق الأجساد، وتنهش الأعراض .. في العراق وفلسطين وهي مطمئنة غاية الاطمئنان، دون أن نتوقع انتفاضات الشعوب العربية والإسلامية، لأن الأنظمة عندما تمثل صمام الأمان، وقوانين الطوارئ سيوف مصلتة على الرقاب .. المعلنة منها وغير المعلنة .. وقد يسمح للأقلام أن تستنكر، وللألسنة أن تشجب وتندد .. شريطة أن يسمع العالم برمته جعجعة ولا يرى طحنًا!!

ويتساءل البسطاء في دهشة .. وليس في أسى:

ما جدوى الجامعة العربية .. ولا نقول: ما جدوى منظمة المؤتمر الإسلامي، أو منظمة الوحدة الأفريقية؟!!

ونجيب نحن في أسى .. وليس لمجرد الدهشة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت