لا يَشكُرُ الله مَن لا يَشكُرُ الناس د. محمد عمر دولة*
لا شكَّ أنَّ لِشُكرِ الله عَزَّ وجلَّ ثَمراتٍ اجتماعية؛ تتجلَّى في صِلَةِ الآخَرِين ومُجازاتِهم بالإحْسانِ وإكْرامِهم وحُسْنِ مُعامَلَتِهم؛ فإنَّ مَن وَطَّنَ نَفسَه على شُكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ؛ صارَ الشُّكرُ له سَجِيةً يتعاملُ بها مع كلِّ مَن أحسنَ إليه؛ وخُلُقًا يُجازي به كلَّ مَن تَفضَّلَ عليه.
وما أروعَ حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَشكُرُ الله مَن لا يَشكُرُ الناس) [1] وكلُّ حديثِه رائعٌ وبديعٌ صلى الله عليه وسلم ، كما قيل:
ولا حَسَنٌ إلا سَماعُ حَديثِكم ** مُشافَهةً يُمْلَى عليَّ فأنقلُ [2]
فقد روى أحمد [3] والطيالسي [4] والترمذي [5] وأبو داود [6] والبيهقي [7] والقضاعي [8] والبخاري في (الأدب المفرد) [9] عن أبي هريرة رضي الله عنه [10] قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَن لا يَشكُر الناسَ لا يَشكُر الله) .
ورواه البيهقي في (شعب الإيمان) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما والمنذري في (الترغيب والترهيب) عن الأشعث بن قيس [11] قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (أشْكَرُ الناسِ لله أشْكَرُهم للناس) . [12]
فقد صار الشُّكرُ صِفةً نفسيةً راسخةً؛ تهذب السلوك وتعين على البِرِّ وتهدي إلى أحسنِ المعاملة؛ [13] فالشُّكْرُ مَنهَجٌ يتبعُه صاحِبُ الفَضلِ، وأسلُوبٌ يَعْتَمِدُه الحرُّ؛ الذي يرى الإحسانَ قَيْدًا في رَقَبَتِه ودَيْنًا يجب عليه أداؤه ومعروفًا ينبغي عليه الوَفاءُ به
وقد تَرجَمَ ابنُ حبان رحمه الله لِهذا الحديث: (ذكر ما يجب على المرءِ مِن الشُّكرِ لأخيه المسلم عند الإحسانِ إليه) . [14] ورَوَى الهيثمي في باب (شُكر المعروف) عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن استعاذَكم بالله فأعِيذُوه، ومَن سألكم بالله فأعْطُوه ومَن دعاكم فأجِيبُوه، ومَن صَنعَ إليكم معروفًا فكافِئوه؛ فإنْ لم تجدُوا ما تكافئونه؛ فادعُوا له حتى تروا أنْ قد كافَيْتُمُوه) . [15]
قال القرطبي رحمه الله:"قال الخطابي: هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما: أنَّ مَن كان مِن طبعِه كُفْرانُ نِعمةِ الناسِ وترك الشكرِ لِمَعْرُوفِهم؛ كان مِن عادتِه كُفرانُ نعمةِ الله عزَّ وجَلَّ وترك الشُّكرِ له. والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يَقبَلُ شُكرَ العَبدِ على إحْسانِه إليه؛ إذا كان العبد لا يشكرُ إحسانَ الناسِ إليه ويكفرُ مَعروفَهم؛ لاتصالِ أحدِ الأمْرَين بالآخر". [16]
ولو تأمَّلْنا حالَ الشاكِرِين لله عزَّ وجَلَّ؛ لَوَجَدْناهم أحْسَنَ الناسِ مُعامَلةً للناسِ، سواء في بِرِّ الوالِدَيْن وشُكْرِهما أو في المعاملة بين الزوجين أو غير ذلك؛ وقد قَرَنَ الله بين حَقِّهِ في الشُّكْرِ وحقِّ الوالدَيْن، فقال تبارك وتعالى: (ووصَّينا الإنسانَ بوالِدَيْه حملَتْه أُمُّه وَهْنًا على وَهْنٍ وفِصالُه في عامَيْن أن اشْكُرْ لي ولِوالِدَيْك إليَّ المصير) . [17] فمَن كان شاكِرًا لأنْعُمِ الله وفضلِه وإحسانِه؛ كان شاكِرًا لوالِدَيْه، مُعتَرِفًا بفضلِهما عارِفًا بحقِّهما قائمًا بِبِرِّهما؛ ورحم الله الزين العراقي حيث قال:"فإن قيل ما وَجْهُ تعلُّقِ رِضَى الله عنه برِضَى الوالد؟ قلنا: الجزاء مِن جنسِ العملِ؛ فلما أرْضَى مِن أمرِ الله بإرضائه رضي الله عنه؛ فهو من قبيل (لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس) ". [18]
وهذا مُشاهَدٌ كذلك في حالِ النساء ومعاملتهن أزواجَهنَّ؛ فإذا كانت الزوجة صالحةً شاكرةً لربِّها؛ فإنها تكون قائمةً بحقِّ زوجِها شاكِرةً له، وإذا كانت جاحِدةً لِفَضلِ الله عليها؛ فإنها تكون كافرةً لِعَشيرِها جاحِدةً لحقِّه عليها، فتكون من اللاتي ذَمَّهنَّ رول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (يُكْثِرْنَ الشكاةَ ويَكْفُرْن العَشِير) . [19]
ولله دَرُّ البخاري فقد ترجَمَ في كتاب (الإيمان) باب (كُفْران العَشِير، وكُفرٌ دون كُفْر) قال ابن حجر رحمه الله:"قال القاضي أبو بكر بن العربي في شَرْحِه: مُرادُ المصنِّفِ أن يُبيِّنَ أنَّ الطاعاتِ كما تُسَمَّى إيمانا، كذلك المعاصي تسمى كفرًا؛ لكن حيث يطلق عليها الكفرُ لا يراد الكفرُ المخرِجُ من الملةِ. وخَصَّ كُفرانَ العشيرِ مِن بين أنواعِ الذنوبِ؛ لِدَقِيقةٍ بَديعةٍ، وهي قوله صلى الله عليه وسلم (لو أمَرْتُ أحدًا أن يَسجُدَ لأحدٍ؛ لأمَرْتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها) ؛ فقرَنَ حَقَّ الزوجِ على الزوجةِ بحقِّ الله؛ فإذا كَفَرَت المرأةُ حَقَّ زَوجِها وقد بَلغَ مِن حَقِّه عليها هذه الغايةَ؛ كان ذلك دليلا على تَهاوُنِها بِحَقِّ الله؛ فلذلك يُطْلَقُ عليها الكُفْرُ، لكنه كُفرٌ لا يُخْرِجُ عن الملة". [20]