فهرس الكتاب

الصفحة 11709 من 27345

إن المتأمل في كتاب الله - عز وجل - وفي واقع الدعوة إلى الله - عز وجل- يرى أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الدعوة إلى الله - تعالى - والجهاد في سبيله

وبين عقيدة الولاء والبراء في نفس الداعية . فكلما قوي شأن الدعوة وقوي شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الداعية المخلص لربه كلما قويت هذه العقيدة في نفسه ، وظهرت بشكل واضح في حياته ومواقفه ومحبته وعداوته حتى يصبح على استعداد لأن يهجر وطنه وأهله وماله إذا اقتضى الأمر ذلك ؛ بل إن هذه العقيدة -أعني عقيدة الولاء والبراء - لتبلغ ذورة السنام في قلب الداعية وتنعكس على مواقفه ، وذلك في جهاد أعداء الله ولو كانوا أقرب قريب ؛ قال الله - تعالى -: { والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71] . وقال - تعالى -: { إن الذين امإنَّ الَذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [الأنفال: 72] . والعكس من ذلك واضح ومُشاهَد ؛ فما من داعية فترت همته وضعف نشاطه ومال إلى الدنيا وأهلها إلا ظهر الضعف عنده في عقيدة الولاء والبراء ، ويستمر

الضعف والتنازل تبعًا لضعف الاهتمام بشأن هذا الدين حتى يصل إلى مستوى بعض العامة من الناس الذين لا هم لهم إلا الدنيا ومتاعها الزائل ، ولو نوزع في شيء من دنياه لهاج وماج ، أما أمر دينه ودعوته فلا مكان لذلك عنده فمثل هذا الصنف تصبح عقيدة الولاء والبراء في قلبه ضعيفة ورقيقة سرعان ما تهتز أو تزول عند أدنى موقف . ولعل في هذا تفسيرًا لتلك المواقف المضادة للعقيدة التي نراها من أولئك البعيدين عن الدعوة والجهاد ، كتلك المواقف التي تظهر فيها أثر القوميات والوطنيات والقبليات على نفوس هؤلاء الذين يعقدون ولاءهم وبراءهم وحبهم وعداوتهم على هذه الرايات الجاهلية ، وليس على عقيدة التوحيد والإسلام والحاصل أن عقيدة الولاء والبراء ليست عقيدة نظرية تدرس وتحفظ في الذهن المجرد ؛ بل هي عقيدة عمل ومفاصلة ، ودعوة ومحبة في الله ، وكره من أجله وجهاد في سبيله ؛ فهي تقتضي كل هذه الأعمال ، وبدونها تصبح عقيدةً في الذهن المجرد سرعان ما تزول ، وتضمحل عند أدنى موقف أو محك ؛ فإذا أردنا أن نقوي هذه العقيدة العظيمة في نفوسنا فهذا هو طريقها: طريق الدعوة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله - تعالى - ، وكلما ابتعد الداعية عن هذه الأعمال مؤْثرًا الراحة والدعة فهذا معناه هشاشة هذه العقيدة ، وتعرضها للخطر والاهتزاز . ولا غرابة في ذلك ، فإن الإيمان - كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . والولاء والبراء من أخص

خصائص الإيمان ، فهو يزيد بالعمل الصالح الذي من أفضله الجهاد والدعوة ، وينقص بالمعصية التي منها ترك واجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله - تعالى - .

مجلة البيان:العدد: 139 التاريخ: ربيع الأول / 1420هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت