فهرس الكتاب

الصفحة 7423 من 27345

راشد بن فهد آل حفيظ [القاضي بالمحكمة العامة بالمخواة] 17/8/1426

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فهذا ذكر للخلاف في مسألة الرجوع عن الإقرار بما يوجب حدًا (1) ، أيقبل أو لا؟ فأقول مستعينًا بالله:

لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: قبول رجوعه مطلقًا.

وإليه ذهب الحنفية (2) والشافعية (3) ، والحنابلة (4) وهو الرواية المشهورة عند المالكية (5) .

واستدلوا لذلك بما يلي:

الدليل الأول:

حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في ذكر قصة ما عز -رضي الله عنه- حين شهد على نفسه بالزنا، وفيه:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض عنه، وردده مرارًا (6) ، وقال له:"ويحك، أرجع فاستغفر الله، وتب إليه" (7) . وفيه:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له:"لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت" (8) وفيه:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للذين رجموه حين هرب لما وجد مس الحجارة:"فهلا تركتموه" (8)

وفي رواية:"هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه" (9)

وجه الاستدلال:

أن هذا الحديث يدل على قبول رجوعه من وجهين:

الأول: كونه -صلى الله عليه وسلم- أعرض عنه، وردده، وعرَّض له بالرجوع، وإلا لما كان لذلك فائدة. (10)

الثاني: كونه -صلى الله عليه وسلم- قال لمن رجمه بعد هربه:"هلا تركتموه"لأن الهرب دليل الرجوع". (11) "

ويمكن مناقشة الوجه الأول بما يلي:

أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما فعل مع ماعز ما فعله من ترديد، وإعراض، وتعريض، لأمرين:

الأول: كون ماعز -رضي الله عنه- قد جاء تائبًا.

وهكذا يفعل الترديد، والإعراض، والتعريض بالرجوع عن الإقرار مع كل مقر جاء تائبًا معترفًا بذنبه بخلاف غيره، فلا يفعل معه ذلك، فإذا رجع عن إقراره وقد جاء تائبًا قبل منه رجوعه، بل إذا رجع عن طلب إقامة الحد عليه ترك ولو لم يرجع عن إقراره لحديث ماعز، فإنه لما هرب حين وجد مس الحجارة قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمن رجمه:"هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه"مما يدل على أنه لم يرجع عن إقراره، وإنما رجع عن طلب إقامة الحد عليه -كما سيأتي- فيقبل منه ذلك، ويسقط عنه الحد، ويترك، لكونه قد جاء تائبًا معترفًا بذنبه ومن هذه حالُه لا تجب إقامة الحد عليه أصلًا إلا بطلبه، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقمه على ما عز والغامدية إلا بعد طلبهما لذلك وإصرارهما عليه أما مجرد إقرارهما فلا يعتبر طلبًا لإقامة الحد عليهما، ولذلك لم يلتفت إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل أعرض عنه (12) .

الثاني: كونه -صلى الله عليه وسلم- يريد الاستثبات (13) .

ويدل لذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- سأله:"أبك جنون"؟ قال: لا (14) .

وسأل عنه:"أنه جنون؟"،"أشرب خمرًا؟" (15) .

وأرسل إلى قومه، وسألهم:"أتعلمون بعقله بأسًا؟ أتنكرون مه شيئًا؟" (120)

ويدل لذلك أيضًا ما جاء عن جابر -رضي الله عنه- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما قال:"فهلا تركتموه، وجئتموني به"ليستثبت منه ليس إلا فأما لترك حد فلا". (17) "

قال ابن حجر:"وفيه -يعني حديث ماعز"التثبت في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته، لما وقع في القصة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه، إن ادعى إكراهًا.." (18) "

قال الشوكاني""

"وليس الاستثبات بإسقاط، ولا من أسبابه". (19)

ويمكن مناقشة الوجه الثاني بما يلي:

بأن ماعزًا -رضي الله عنه- لم يرجع عن إقراره البتة، وإنما رجع عن طلب إقامة الحد عليه، ويدل لذلك ما يلي:

أولًا: ما جاء عن بريدة -رضي الله عنه- أنه قال:"كنا -أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة". (20)

فقوله:"لو رجعا بعد اعترافهما.."يدل على عدم رجوعهما عن اعترافهما البتة، وكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- لن يطلبهما، فلأنهما جاءا تائبين، وهكذا يفعل مع كل مقرٍّ قد جاء تائبًا.

ثانيًا: ما جاء في بعض روايات الحديث، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنه قال:"كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن قومي قتلوني وغروني وأخبروني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبرناه قال:"فهلا تركتموه وجئتموني به"ليتثبت رسول الله منه، فأما لترك حدٍّ فلا" (21)

فقول ما عز -رضي الله عنه-"يا قوم ردوني.."ظاهر في أنه لم يرجع عن إقراره، وإنما رجع عن طلب إقامة الحد عليه، إذ لو كان قد رجع عن إقراره، لصرح بذلك، بدلًا من قوله"إن قومي قتلوني..".

ثالثًا: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال عنه:"لقد تاب توبةً لو قسمت بين أمة لوسعتهم" (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت