فهرس الكتاب

الصفحة 10699 من 27345

د. عثمان علي حسن*

مقدمة

إن واقع المؤسسات التربوية والتعليمية في بلادنا العربية والإسلامية ليس بالمحل المأمول، ولا بالمكان المحمود؛ ويكفي أن تتعرف على شريحة منها لتنبئك عن البقية، في مناهجها، وعناصرها، ونظم إداراتها، ومدخلاتها ومخرجاتها، وغير ذلك مما له صلة.. فهذه المؤسسات بحاجة ماسة ومستمرة للإصلاح والتقويم، والتجويد والتحسين، والتطوير والتعديل؛ حتى تنهض بدورها العظيم في الأمة؛ توجيهًا وإرشادًا وتعليمًا وإعدادًا، وتزويدًا للمجتمع بالكوادر الصالحة النافعة الفاعلة في شتى جوانب الحياة.

وعملية الإصلاح هذه تحتاج إلى تضافر جهود، وإلى بذلٍ وتضحيات، وعزمٍ وصدق نيات، ولا يُنكَر ما قام ويقوم به بعض أهل العلم والفضل والسبق من جهود مشكورة، ومساعٍ حميدةٍ مبرورة، لكن مع ذلك فالساحة العلمية والعملية بحاجة إلى المزيد من الجهود والإضافات، ومشاركتي تأتي فيما له علاقة بالمُعَلِّم الذي هو العمود الفقري للعملية التعليمية والتربوية، أحاول فيها أن أرسمَ صورةً للمعلم المثال، صورةً قابلةً للتطبيق والتحقيق؛ صورةً آمل أن تتصف بالعمق والإحاطة، والتكامل والجمال، للمعلم صانع الأجيال. فمِن بين يديه يتخرج القادة والساسة، والآباء والأمهات، وكل ذي رعية ومسئولية.

ولا بد أن أشير هنا إلى ما استفدته من أمثال بدر الدين ابن جماعة في كتابه: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، والخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ومن المُحْدثين العلاّمة الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه: الرسول والعلم، والشيخ محمد بن عبد الله الدويش في رسالته صغيرة الحجم عظيمة النفع: المُدَرِّس ومهارات التوجيه، فقد أفدت من هذه الكتب فوائد جمّة، تستحق التنويه بها، والتشجيع لمراجعتها.

فأرجو أن تكون أوراقي هذه ترجمةً صادقةً لِما أمّلت، وتأويلًا لما تمنيّت، فهو جهد أُضيفه لجهود من سبق، عساه أن يكون زيادة في الخير، وحثًا على السير، وعلى الله قصد السبيل..

أهمية الموضوع:

إن الناظر في حال مجتمعاتنا الإسلامية والعربية، أي في حال الأمة جمعاء، يلمح بوضوح أنواعًا من الخلل قد انتظمت كافّة مناحي الحياة وشرائح الأمة، فهذا أمر لا تخطئه عين، إذ هو خلل واضح وقصور فاضح، إنْ كان في الأداء السياسي على مختلف مستوياته، أو في الأداء الاجتماعي على تنوع أحواله، أو في الأداء الاقتصادي في جميع مجالاته.

فهذا حاكم مستبد وصل إلى سُدَّة الحكم على غير رضىً من رعيته، فعمل على كل ما يضمن له الاستقرار والاستمرار على رغم الأنوف، دون مُراعاةٍ لحقوقٍ أو أداء لواجبات، ومثله وزيرٌ لم يُصَدِّق أنّه في هذا المكان حتى أعمته نفسه ومَنْ وراءه مِن أهلٍ وعشيرة عن النظر في واجبات الوظيفة ومتطلباتها، وفي المقابل معارضٌ التزم بالكلمة لفظًا ومعنى، لا يرضى بالحقّ ما دام قد خرج مِن غير إنائه، ولا يؤيد الخير ما دام قد صدر عن خصومه، ولا حرج عنده أن يُدمِّر كل مكتسبات دولته إذا كان ذلك يوصله إلى السلطة، فهو معارضٌ وكفى.

وهذا إعلاميّ همّه الربح المادي أو الشهرة؛ فجعل الإثارة ديدنه، ودغدغةَ الغرائزِ مركبه، غير مبالٍ بقيمٍ ولا أخلاق، ولا وقائعَ ولا حقائق، مجانبٌ للصدق ومعايير المهنة.

وذاك محامٍ تتصارع على لسانه الكلمات، ويلعب بها ليًا ودفعًا للحقّ، وهو أول من يعرف أن موكله ليس له في الحقّ نصيب، لكِنّه يسعى بكل جُرأة مستغلًا ما في القوانين من ثغرات ليستخرج لصاحبه صك البراءة المزور.

وهناك يقف رجلُ أمن تصور من نفسه أنه القانون والنظام، وأنه الخصم والحكم، فيرمي بين الناس آلة البطش والقهر، ويوقع فيهم الرعب والخوف بدلًا من الأمن والطمأنينة، دون أن يجد من يردعه أو يحاكمه..

وهذا عالم في علوم الشرع متبحر، ومن تفاصيله متمكن، لكن أحواله وأفعاله تصادم أقواله ومواعظه، أو هو منكفٍ على نفسه يؤدي وظيفته التي أنيطت به في برود مميت، وتخشب معيق، لا يكاد يهتم بما يدور حوله من انفلات أو انقلاب على أمور الشرع.

وهذا زوج عرف كيف يستَلّ هذه الفتاة من أهلها بدفعه المهر، لكنه لم يحسن الاختيار، أولم يحسن المعاملة؛ حتى تحولت الحياة الزوجية من السكينة إلى الرعب، ومن المودّة إلى البغض، ومن الرحمة إلى القسوة، وقد تكون صاحبته وأهلها وراء هذه النتيجة السلبية.

وهناك أبٌ أظهر فحولةً في إنتاج الأولاد، لكنه فشل في تريبتهم وإعدادهم؛ فكل همّه أن يفرغ في أفواههم أطايب الطعام، ويلف أجسادهم بمحاسن الثِياب، غير آبه بما يحيطهم من سيء الأخلاق، والله تعالى يقول: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقًا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) [سورة طه: 132] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت