إبراهيم غرايبة 1/7/1426
الحديث عن الحركة الإسلامية- وبخاصة التي نشأت حول قضايا كبرى تستحضر المقدسات والتاريخ والعواطف والتأييد الكبير - يشبه الاقتراب من عشّ الدبابير، وبدلًا من الانشغال بالسؤال نتحوّل إلى السّجال والهجاء والصمم الفيزيائي الذي يشغل عن التفكير فيما يجري حولنا، وقد يمضي بالناس والحياة والتاريخ بعيدًا عنا، ثم نبقى في مكاننا تحت وطأة الإهمال والعزلة والنسيان، والذكريات المجيدة!
إن الحركات الإسلامية هي أدوات وأوعية للعمل، وليست غاية بحد ذاتها للعمل الإسلامي، ولا هدفًا تسعى إليه الأمة، ولا تختص دون سواها من الأمة بمعاملة أو فقه أو عذر أو واجب؛ فالواجبات منوطة بالأمة بأسرها، ومن حقها (الأمة) أن تراقب وتحاسب هذه الجماعات بصفتها من أدواتها التي تملكها، فالعبرة بمصالح الأمة والمجتمعات والدول (بالمفهوم العلمي للدولة وليس السلطة) وغاياتها.
وقد أدّت الحركات الإسلامية دورًا مهما في مرحلة حرجة كانت الأمة الإسلامية تعاني من الاستلاب والغزو الفكري، وساهمت في إعادة الثقة بالدين والفكر والتراث، ولكن يجب ألاّ نخلط بين الظاهرة الأساسية وبين أدواتها وتجلّياتها وأعراضها، فالصحوة الإسلامية هي حالة للأمة والمجتمعات الإسلامية توصّلت إليها الأمة بأسرها عبر مراحل ومخاضات وتطوّرات، والحركة الإسلامية تعبّر عن هذه الظاهرة ولم تصنعها؛ فالأمة هي التي صنعت الصحوة والحركات والجماعات الإسلامية وليس العكس، والأمر يكاد يشبه العلاقة بين ظاهرة الاتصالات وبين المؤسسات التجارية الصغيرة منها والكبيرة والقائمة على الاتصالات، فلا أحد يقول: إن متاجر أو مصانع أجهزة (الموبايل) هي التي صنعت موجة الاتصالات!
ولذلك فإني أفضل استخدام مصطلح"الخطاب الإسلامي"بما يعنيه من تعبير تطبيقي وعملي، ولا أريد أن أكرّر ما ورد في مجلة (الإسلام اليوم) العدد الخامس حول مفهوم الخطاب الإسلامي، ولكن هذه الإشارة ضرورية للتعامل مع تحوّلات وتطوّرات كبرى جرت على الخطاب الإسلامي نفسه وعلى البيئة المحيطة به.
فقد جاءت السنوات الأخيرة بتحوّلات كبرى حضارية واجتماعية وسياسية واقتصادية وتقنية، وبأحداث عالمية وإقليمية ومحلية غيّرت كل شيء تقريبًا، وكان الخطاب الإسلامي واحدًا من مكونات وموضوعات التحوّلات الكبرى التي تجعل فهمها خطوة مهمة وضرورية بل وحتمية لنفهم: أين نحن؟ وأين كنا؟ وإلى أين نمضي؟ وماذا كسبنا؟ وماذا خسرنا؟ وماذا نريد؟ وكيف نوّفق بين أهدافنا وإمكانيّاتنا ومواردنا، ونخرج من دوّامة التكرار والهدر لنبدأ بالإقلاع في الطريق الصحيح؟
إن الخطاب الإسلامي ليس هو الإسلام تمامًا، وإن كان ناتجًا عن التحرّك بالإسلام والعمل على تطبيقه وفهمه والرجوع إليه، لكنه مجهود بشريّ يخطئ ويصيب، ويقترب من الإسلام ويبتعد عنه، ويستلهم المرحلة والبيئة المحيطة به سلبًا وإيجابًا، وقد يكون متقدمًا ومبدعًا، وقد يكون قاصرًا وفاشلًا، وهو ليس خطابًا واحدًا كما الإسلام، ولكنه خطابات عدة مختلفة حسب قراءة النصوص والتراث وفهمها، وما يؤثر في هذه القراءات من بيئة محيطة.
فالحديث عن النظام السياسي أو الاقتصادي الإسلامي أو الإعلام الإسلامي والتعليم، أو الجماعات والمؤسسات الإسلامية، والدول وأنظمة الحكم السياسية الإسلامية هو تعبير نسبي، بمعنى نسبة الخطاب إلى الإسلام.
وفي الحقيقة فإنه نسبة إلى المسلمين، وليس إلى الإسلام، فالخطاب الإسلامي هو"خطاب المسلمين"، والنظام السياسي الإسلامي، هو النظام السياسي للمسلمين، وكذا الدول والمؤسسات والأفكار والبرامج.
ونسبي أيضًا بمعنى"النسبية"أي أنه يسعى للاقتراب من الصواب والعدل، لكنه حتمًا ليس الصواب المطلق، ولا الحالة المطلقة التي لا يجوز مراجعتها والتخلي عنها، فالنسبية أولًا، وإن بدأت نظرية علمية فيزيائية أُطلقت عام 1905 على يد عالم الفيزياء المشهور (اينشتاين) لكنها اليوم فلسفة وقاعدة عامة تمتد إلى كل شؤون العلم والفكر والحياة تعبر عن اكتشاف حقيقة عميقة في الكون والحياة.
يصعب الإحاطة بالتحوّلات الجارية في العالم و التي تؤثر في الوقت نفسه على الخطاب الإسلامي، فهذا موضوع يستحق دراسات مستقلة، ولكن ما يعنينا في هذا المقام هو استحضار أهم التحوّلات لربطها بالأفكار والاعتبارات المقترحة لتحديد ملامح ومؤشرات الخطاب الإسلامي القادم.
فقد تبدت في هذه التحولات أولويات واحتياجات جديدة غيّرت كثيرًا من واجبات وطبيعة الجهود الإصلاحية، وظهر أيضًا كثير من الإنجازات والمكاسب التي تحققت والتي يجب إدراكها ومراجعة العمل في مجالها لتوجية الجهود والموارد نحو ما لم يتحقّق بعد، وبالطبع فإن ثمة تحديات وعيوبًا كثيرة رافقت العمل الإصلاحي يجب الالتفات إليها.
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مجموعة من التحولات والمشاهد: