فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 27345

سلسلة دراسات إسلامية معاصرة

الوجودية

أنور الجندي

منشورات المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

###81### الوجودية

ظهرت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل للآثار الخطيرة التي أحدثتها الحروب في أوروبا، والنتائج الضخمة التي أصابت الأسر والأمم بفقد زهرة شبابها وحيرة أبنائها، حتى لم يعد بيت في أوروبا بدون قتيل أو جريح، ومن ثم علت الصيحة إلى الفزع من الخطر الذي تفرضه أخطار السياسة، وصراع الدول على المجتمعات الآمنة بما يهدد الحياة، ويجعل أهلها يعيشون في خطر الحرب الدائم، وقد زاد من هذا الخطر الجديد الذي خلفته القنابل الذرية، كل هذا استجاش النفس الغربية بالدعوة إلى تأكيد الذات وإعلائها والدعوة إلى تحريرها من كل قيود المجتمعات واندفاعها إلى الرغبات، تسابق فيها خطر الحرب المائل، وتشفي غلتها من مطامعها دامت لا تضمن الحياة الرخية المستمرة، وما دامت ###82### ليست للحياة غاية واضحة إلا هذا المتاع السريع الذي قد يزول في أي لحظة حين تنفجر الحرب، وينتقل الملايين من الشباب إلى ساحة الموت.

ذلك هو العالم الحقيقي الذي واجه الفكر الغربي الذي هو بطبيعته فكر يقوم على الحرية والفردية والديمقراطية والرأسمالية، من خلال إيمان بسيادة الرجل الأبيض وسيطرته على مقدرات الشعوب والأمم الضعيفة، واعتصار ثرواتها وخيراتها، ونقلها إلى هذا المجتمع المترف الحافل بكل أدوات النعيم والمتعة والرخاء، فلما أحس الناس بخطر الحرب تأكل الملايين، ثارت في النفوس الرغبة إلى مزيد الاندفاع نحو الترف والمتعة حيث لا توجد غاية واضحة للحياة إلا الرفاهية والحرية.

ومن هنا نجد أن انتقال مفاهيم الوجودية إلى أفق المجتمع الإسلامي العربي لا تستطيع أن تجد أسبابها ولا استجاباتها، فإن الأمر جد مختلف، ذلك أن الفكر الغربي لم يصل إلى الدعوة الوجودية على النحو الذي ظهر في الحرب العالمية الثانية إلا بعد أن قطع مراحل كثيرة من التحرر من العقيدة والدين، وإنكار قيود الشرائع الربانية، والسيطرة الظالمة على الأمم الملونة، واعتناق فكرة الرجل الأبيض، سيد ###83### الأرض الذي لا يهزم، والذي يعلم البشرية ويرقيها، ويملك في يديه كل ثرواتها والمتصرف فيها بما يشاء.

كذلك فإن المسلمين والعرب يختلفون مع الغرب فيما يتصوره الغربيون من أخطار الحروب وتحديات الذرة، ذلك لأن الصراع قائم بين طرفيه، فهم يخافون الحرب، ويرهبون الموت لأنهم يريدون استئناف حياة رخية مترفة، أما المسلمون والعرب، فإنهم يواجهون قضايا التحرر والتخلف من الاستعمار والصهيونية، ويعدون أنفسهم للمواجهة الدائمة بكل أخطارها. فضلا عن أن مفاهيمهم الأصلية تجعلهم بمنأى عن الخوف من الموت أو الحرب أو الخطر، فقد صاغهم الإسلام ليكونوا على حذر دائم، وعلى تعبئة كاملة في كل وقت لمواجهة أخطار عدوهم، وللعمل على نشر رسالتهم وتحقيق إرادة عقيدتهم، فضلا عن أنهم لا يؤمنون بالحياة المترفة الرخية، ويرفضونها ويرون نهايات الألم وعلامات الفناء القريب.

2-تركز الوجودية على الفرد الاعتزاز بحقه، وهو الكيان الثابت، وتقدم وجود الفرد على المجتمع؛ وترى أن الفرد له الحرية التامة في تحديد مكانه في الحياة، فإذا اختار لنفسه، فلعيه أن يتحمل نتائجه؛ وهو صاحب الحق في أن ###84### يحكم على الأمور بأنها خير، أو أنها شر حتى لو كان الحق في نظره شرًا في نظر غيره، أو في نظر المجتمع.

وترفض الوجودية: قيم الالزام، والضمير؛ والفضيلة والخير والعدل والمسؤوولية، وتقف في أنانية عالية النبرة تقول: لا تنكر وجودك حتى تصير مجرد أداة للآخرين، وتجنح الوجودة إلى الوجدان، وتعلى شأن الحدس، وترفض العقل والحكمة، وتسخر بهما.

ولا ريب أن رفض فكرة الالتزام، هي أخطر مقومات الوجودية، وأخطر معارضاتها للفطرة الإنسانية وللدين الحق.

وهي في مجموع القيم التي ترفضها، إنما ترفض كل ما يضبط الشخصية الإنسانية، ويحميها ويرتفع بها ويقيم لها وجودها الحق؛ فهي بذلك تدفع الإنسان إلى أهوائه لتدمره، وإلى مطامحه لتحطمه.

فالالتزام هو حق الجماعة، والفضيلة هي حماية الذات من حق غيرها، فإذا رفضت النفس الإنسانية المسؤولية، فماذا يكون موقعها في المجتمع، وفي الحياة نفسها؟

وعلى هذا النحو يصدق قول الباحثين من أن الوجودية إنما تعني التحرر من المجتمع ومسؤوليته، ومن كل القيم التي ###85### جاءت بها الأديان والشرائع، ومن الضوابط التي استقر عليها مفهوم الأخلاق.

ويتصل بهذا المفهوم موقف الوجودية من الزواج والطلاق وحرية الصداقة وإسقاط الدين كله من حساب الحياة والاندفاع إلى الأهواء والرغبات بغير حساب يحسب لشيء ما.

وبذلك تتجاوز الوجودية حدود الحرية وضوابط المجتمع إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، والعودة بالإنسان إلى عهود الهمجية وشريعة الغاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت