أخي الحبيب: إن سُعار الحزبية محرق , وسمها قاتل ؛ كم مكر أخٌ بأخيه حتى أرداه في لجج الفتن , وكم عُطل من أمر بمعروف أو نهي عن المنكر ؛ فما شتت القلوب وفرق بين الجموع إلا الحزبية , ولذا يجب لأهل السنة أن يعلنوا عن هُويتهم , ويبينوا منهجهم , ويحذروا من الحزبية والعصبية , لهذا نجد أن العلماء رحمهم الله كانوا يهتمّون بتمحيص رجال الحديث فنراهم يميّزون السني من المبتدع ، قال محمد بن سيرين رحمه الله ( 1) : ( لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا: سمّوا لنا رجالكم ، فيُنظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثهم ، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يُؤخذ حديثهم ) .
وكان حال السلف في وضع العلم لا يضعونه إلا عند من يحسن استعماله .
عن أبي داود الطيالسي قال: جهد وكيع أن يسمع من زائدة بن قدامة (2 ) حديثا واحدا ؛ فلم يسمع حتى خرج من الدنيا ، فقيل لأبي داود: وكيف سمعت أنت ؟ قال: كان يستشهد رجلين عدلين على أن هذا صاحب جماعة ؛ وليس بصاحب بدعة ، فإذا شهد عدلان حدّثه ، قال أبو داود: وكنت بمنى وحضر سفيان الثوري ، فكان يُكرمني ويقول: ذاكرني بحديث أبى بسطام (3 ) فقلت لسفيان: أُحب أن تكلِّم زائدة في أمري حتى يحدثني ، فجاء إلى زائدة فقال: يا أبا الصَّلت ! حَدِّث صاحبي هذا ؛ فإنه صاحب سنة وجماعة ، فقال: نعم يا أبا عبد الله . ( 4)
وبعد هذه النقول ؛ فإنه لحريٌّ بمن كانت هذه همّته وهي: حفظ بيضة الإسلام من الدخلاءِ ؛ أن يكون له منهجٌ مباينٌ لكلّ المناهج المخترعة المضاهية لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم , وصحابته رضوان الله عليهم في العقيدة والشريعة .
وحريٌ أيضًا أن يكون أصحابها هم المعنيّون بالفرقة الناجية , والطائفة المنصورة كما جاء في بعض الأحاديث ، وكما فسّرها غير واحدٍ من الأئمة المعتبرين .
كما جاء في الحديث عن أَبَي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِهِ وَمَنْ دَعَا دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ جُثَاءُ جَهَنَّمَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى قَالَ نَعَمْ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَلَكِنْ تَسَمَّوْا بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ. ( 5)
كذلك ما جاء في الحديث المعروف عن جَابِر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ . (6 )
ومع أنهما اسمان شرعيان - المهاجري والأنصاري - لكن لما كان هناك موالاة ومعاداة عليهما , ونصرة في هذين الاسمين ، وخرجت النصرة عن اسم الإسلام بعامة , صارت دعوى الجاهلية ، ففيهم من خلال الجاهلية شيء كثير ، ولهذا نبغي للشباب أن ينبهوا على هذا الأمر بالطريقة الحسنى المثلى ؛ حتى يكون هناك اهتداء إلى طريق أهل السنة والجماعة وإلى منهج السلف الصالح .
إذا عرفت الحق فاثبت
أخي الحبيب: إذا عرفت الحق فاثبت عليه وادعو الله بالهداية , واجعل هواك وأُنْسَك طوع شرع الله ومنهجة , فإذا وضح لك الطريق ؛ فجد وسابق وإياك وقطاع الطرق ممن يعطلوا سيرك , ويأسروا قلبك ويغلقوا عقلك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [ سورة الأنبياء:111 ]
{مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [ سورة يونس:23 ]
وإذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة , فإن أيدي المعاشرة نهابة واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص , لا تصادقن فاسقا ولا تثق إليه , فإن من خان أول منعم عليه لا يفي لك .
ولا خير في ود امرىء متلون
إذا الريح مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عن ماله
وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الإخوان حين iiتعدهم
ولكنهم في النائبات قليل
واحذر أن تبتذل للناس فخذ منهم ما تعرف ودع ما تنكر , وخالطهم على قدر الفائدة , فإن المخالطة توجب التخليط , وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة .