حب البلدان والحنين إلى الأوطان سفيان علي آدم*
إن كانت العواطف هي المتحكمة في الإنسان والمسيرة لحياته والموجهة لتصرفاته، فإن أصدق هذه العواطف وأشدها لصوقًا بالمرء هي عاطفة الحب، فالحب هو المحرك للإنسان والموجه له وأصل كل حركة إنما هو الحب، كما قال ابن القيم رحمه الله: (وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة فهي علتها الفاعلية والغائية) انتهى كلامه رحمه الله.
هذا وإن من أصدق الحب حب الأوطان والتعلق بها فالناس على اختلاف أصولهم وبلدانهم يتفقون في شيء واحد وهو حبهم لأوطانهم،وتمسكهم بها وإيثارها على ما سواها من البلدان، وها أمر معهود على اختلاف العصور وتعاقب الدهور. وإن مما يؤكد عظم حب الأوطان في نفوس البشر قول الله تعالى حين ذكر الديار يخبر عن موقعها في قلوب الناس: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) .النساء 66.
فسوى سبحانه بين قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم في عظمه في قلوبهم ومشقته عليهم، وقال تعالى على لسان بني إسرائيل: (وما لنا لا نقاتل وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) البقرة246.
هذا وإن الناس ليحنون إلى ديارهم وإن أبدلوا منها ديارًا أشد خصبًا وأوفر نعمة وأشد عمرانًا. وهو مما تناقله الناس في كل عصر ومصر. وتناقلوا في ذلك الأمثال ونشروا العبارات التي تدعوا للتمسك بالبلد وهجر الغربة والاغتراب. فمن أقوالهم: ما قالته الهند: حرمة بلدك عليك من حرمة أبويك لأن غذاءك منهما وغذاءهما منه.
وقيل: احفظ بلدًا رشحك غذاؤه، وادع حمى أكنك فناؤه.
وقيل: أولى البلدان بصابتك إليه بلد رضعت ماءه وطعمت غذاءه.
وقيل: إذا كان الطائر يحن إلى أوكاره فالإنسان يحن إلى أوطانه.
وقيل: الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه.
وقالت العرب: حماك أحمة لك،وأهلك أحفى بك.
وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عطنه.
وقيل: كما لحاضنتك حق لبنها كذلك لأرضك حق وطنها.
وذكر أعرابي بلده فقال: رملة كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها، فحضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساءها.
وقد ذهب الناس مذاهب شتى في تفسير عاطفة حب الأوطان وعشق البلدان ، فاعتبرها العجم من علامة الرشد، فقالوا: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة.وقيل من أمارات العاقل بره لإخوانه وحنينه لأوطانه ومدراته لأهل زمانه.وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرم الفطرة، وكرم الفطرة من طهارة الرشدة، وطهارة الرشدة من كرم المحتد.وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
ولقد ذهب فلاسفة اليونان وأطباؤهم إلى الربط بين صحة الإنسان وطبيعة أرضه التي نشأ بها وترعرع فيها.فقال بقراط: يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تتطلع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها.وقال جالينوس: يتروّح العليل بنسيم أرضه كما تنبت الحبة ببل القطر.
ومما لا شك فيه أن حب الناس لأوطانهم وتعلقهم ببلدانهم هم من أسباب عمران البلدان، وإلا لهجرت الديار، وأقفرت بلاد. ولذا قيل:عمّر الله البلدان بحب الأوطان.وكان يقال:لولا حب الناس الأوطان لخسرت البلدان.
على أن الناس بقدر ما أطنبوا في الحديث عن حب الأوطان وأوجبوا التمسك بها بقدر ما ذموا الغربة في ذلك.قالت الحكماء: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك.وقال آخر: الغريب كالفرس الذي زايل أرضه، ففقد شربه، فهو ذاو لا يثمر، وذابل لا ينضر.وقالت أعرابية: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل.وقيل: الغربة كربة.وقال آخر: لا تنهض من وكرك فتنقصك الغربة وتضيمك الوحدة.
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ** فكل ما علفت من خبث وطيب
وقد شبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ولا أب يحدب عليه.ولقد حفلت تواريخ الأمم وقصص الشعوب بشواهد تدل على حب الناس لبلدانهم وتعلقهم بها. ولعل أفضل من تناول هذا الباب من الأقدمين هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، حيث ألف رسالة قيمة في حب البلدان والحنين إلى الأوطان، ومما جاء فيها:وترى الأعراب تحن إلى البلد الجدب، والمحل القفر، والحجر الصلد، وتستوخم الريف.وقال أيضًا: وترى الحضري يولد بأرض وباء وموتان، وقلة خصب، فإذا وقع ببلاد أريف من بلاده وجناب أنصب من جنابه واستفاد غنى حن إلى وطنه ومستقره.وقال أيضًا: ولقد كانت الملوك على قديم الدهر لا تؤثر على أوطانها شيئًا.ثم إنه أورد طرفًا من سير الملوك في حب أوطانها ،ومن ذلك:
وحكى الموبذ أنه قرأ في سيرة إسفنديار بن يستاسف بن لهراسف بالفارسية، أنه لما غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي ؟، قال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها.