الحلقة الأولى من تفسير سورة الأعلى
الحلقة (35) الجمعة 1 / 10 / 1976
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فبفضل الله تعالى وتوفيقه فرغنا من السورة السابعة في ترتيب نزول المصحف وهي سورة التكوير ، وإن شئت أن أستدرك فنحن قد فرغنا ولما نكد ، ولقد بقيت في السورة الشيء الكثير مما يستحق الوقوف والعناية والدرس ، ولكنا نؤثر أن نقفل باب الحديث في السورة الكريمة ، اعتمادًا منا على أن كل القضايا التي أثارتها السورة الكريمة سترد مفصلة ومستوفاة في مواضع متعددة من القرآن المكي ومن المرحلة المكية التي اخترنا الحديث عنها بشكل أساسي ، ونواجه اليوم السورة الثامنة حسب الترتيب الذي يذهب إليه معظم علماء القرآن وهي سورة الأعلى .
وأحسب أن الكثيرين جدًا من المسلمين يحفظون هذه السورة عن ظهر قلب ، فموسيقاها ومقاطعها وتناسقها يجعلها ميسرة للحفظ ، يقول الله تعالى مفتتحًا السورة الكريمة بخطابه إلى نبيه صلوات الله عليه وآله ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدّر فهدى ، والذي أخرج المرعى ، فجعله غثاءً أحوى ) ولكي لا يطول الشوط للتكرار الذي لا ضرورة لها فنحن نسير مع السورة مقطعًا مقطعًا من أجل توضيح المعنى العام ثم نعود بعد إلى شيء من التفصيل الذي يقتضيه المقام ويوجبه مكان السورة من سياق الدعوة النبوية .
فالتسبيح في اللغة التي نزل بها القرآن هو التنزيه ، تنزيه الله تعالى عما لا يليق بجلاله وبكماله ، وتنزيهه جل وعلا عن مشابهة المخلوقين ومجانسة ما عدا الله جل وعلا ، وستتضح إن شاء الله تعالى لكم حكمة الأمر بهذا إذا عرفتم أن الأمر بالتسبيح والتنزيه تكرر في القرآن وفي مناسبات كثيرة حتى ليخال قارئ القرآن وليس ذلك خطأ أن القرآن كله دعوة إلى هذا التنزيه والتقديس والتسبيح.
الأمر يتضح بغير التباس إذا نحن أقررنا بأذهاننا صورة الواقع الجاهلي باتجاهاته المختلفة ، فلا شك أن قطب الرحى في الدعوات الدينية وعلى ألسنة الأنبياء جميعًا هو التوحيد والتنزيه ، والله جل وعلا نبّه في القرآن الكريم إلى أنه ما أرسل من رسول إلا بهذا النداء ( لا إله إلا أنا فاعبدون ) وحين تنزّلت دعوة الإسلام على محمد عليه الصلاة والسلام كان الواقع الديني على أشنع ما يكون من الفوضى والاضطراب وضياع المفاهيم الصحيحة ، بعد أن عدت عليها عوادي الزمن ، مما تتطاول على الناس من الأمد ، فقست من أجل ذلك القلوب ، وتفلتت تبعًا لذلك من الأخذ بأوامر الله تبارك وتعالى . وبسبب مما سولت لكبراء الناس والقيّمين على الديانات ، الذين يُفترض فيهم حفظ معالم الرسالة والسهر على عدم ضياع شيء منها ، والحرص على أن لا يدخلها تحريف ولا تأويل ولا إبطال ولا أي شيء من هذا القبيل ، مما يؤثر تأثيرًا بيّنًا على مسار الدعوة الدينية ، أقول تورّطُ هؤلاء من رؤساء الدنيا وكهان الدين في تحريف كلام الله جل وعلا أضاع على الناس معالم الرسالات وحقائق الدين .
ويوم تنزّل هذا القرآن في مكة على محمد صلى الله عليه وسلم كان معقولًا إن شاء الله تعالى أن تكون البداية في التحرك الإسلامي آخذةً من نقطة العقيدة ، وما لم تصحح عقائد الناس ، وما لم تقوّم نظرتهم إلى الرب جل وعلا ، وبعد ذلك نظرتهم إلى مقام الإنسان في هذا الوجود وحجم هذا الإنسان وإمكانيات هذا الإنسان ، فإنه من الصعب بل من المستحيل قطعًا أن يكون التحرك سليمًا ، لأن مبناه سيكون دون ريب على تصورات البشر وتخيلاتهم واجتهاداتهم ، وأنت واجد بعد ذلك إن احتجتَ إلى دليل في صفحات التاريخ الإنساني ، وما تعاقب على الدنيا من أفانين النظم وألوان الاجتهادات ما يغنيك عن تصيد الأسباب الداعية للقناعة ، لأن البشر أفشل مخلوقات الله تعالى في القوامة على شوؤن الدنيا .
حين نزلت هذه الرسالة على رسول الله صلوات الله عليه كان الواقع الديني على النحو الذي سبق أن شرحته لكم قبل عدد من الأسابيع ، دين إبرهيم عليه السلام وهو الحنيفية السمحة ضاع ، وعدت عليه العوادي ، ودين موسى ضاع وضاع توراته ، وما جاء به عيسى ضاع كذلك ، وضاعت حقائق الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى عليه السلام ، نورًا وهدى للعالمين . وبقيت بقايا ، بقايا وخلائف تسمي نفسها يهودًا ، وتسمي نفسها نصارى ، زورًا وبهتانًا . ويقينًا لو أن الله تعالى ابتعث موسى لأنكر اليهودية الموجودة ، ولو أنه جلّ وعلا ابتعث عيسى لتبرأ مما عليه المسيحيون اليوم . ولقد أذكر ولعل بعض الإخوة من المثقفين يذكرون قصة من روائع قصص الروسي ديوستوفستي يتحدث فيها عن محاكم التفتيش التي أرهقت المسلمين من قبل ، ثم التفتت إلى المسيحين تذيقهم ألوانًا من المتاعب والمصاعب وأفانين من القهر والقمع ، لمجرد أية مخالفة يبديها أحد الناس ، أو تأخذ بها جماعة من الجماعات ، تخالف ما استقر عليه رأي البابا أو المجامع الكنيسية .