أكتب لكم لا لأسأل عن مشكلتي؛ وإنما عن مشكلة أختي، والتي تبلغ من العمر 19 عامًا، أصابها مرض السرطان، والحمد لله رب العالمين كان من النوع الذي فيه أمل كبير بالشفاء، ولكن باستخدام العلاج الكيماوي.
وعندما بدأنا بعلاج أختي فأخذت الجلسة الأولى والثانية، والحمد لله هناك تقدم ملحوظ من حيث اختفاء أعراض المرض، ولكن المشكلة تكمن في أختي التي انهارت معنوياتها تمامًا، وترفض تناول الطعام، مما أدى إلى تدهور صحتها، كما أن إيمانها ضعف فهي يائسة بشكل كبير.
وتسيطر عليها وساوس الشيطان، لذا لم تعد تصلي ولا تتكلم، وحتى عندما نذكرها بذكر الله لا تستجيب، ما تفعله بنفسها هو انتحار، نحن أسرة ملتزمة والحمد لله، من الأم والأب إلى الأخوات، جميعنا نشعر بالعجز بعد أن جربنا كل الوسائل، الأطباء عاجزون أيضًا ومتعجبين لما وصلت إليه حالتها، وجميعنا موقنين بأن مرد كل ذلك إلى ضعف إيمانها.
فأفيدونا نرجوكم فالمسألة أصبحت مسألة حياة أو موت، فالوالدة لم تترك شيئًا؛ فهي ترقيها وتقرأ عليها، ونحن نقرأ لها الكثير من الكتب المفيدة التي تتحدث عن الإيمان والصبر والقضاء والقدر، ورغم ذلك لا تقدم، إيمانها يضعف، وصحتها تتدهور لرفضها تناول الطعام والشراب.
أرجوكم أفيدونا كيف بإمكاننا تقوية إيمانها، وطرد وساوس الشيطان عنها، وتقوية عزيمتها فنحن عجزنا ولا نملك سوى الدعاء لها الآن.
يقول الشيخ سمير حشيش:
الأخت الفاضلة/ أم أمل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ذكرت أنكم بدأتم بعرض أختك على الأطباء، ثم ذكرت أن الأطباء عجزوا عن حالتها، وأنتم الآن تقرءون لها الرقى الشرعية وتذكرونها بالإيمان بقضاء الله وقدره وبالصبر وبمنزلة الصابرين، ثم تسألين عن كيفية تقوية إيمانها، وأقول بداية:
أختي الكريمة، إن لم يكن للإنسان نفسه رغبة في الهدى فلن يهتدي مهما صنع الناس من أجله، وليس بإمكان أحد أن يرد أحدا للإيمان الصادق إلا أن يساعده على ذلك عزم صاحبه ورغبته في الخير، يقول تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} (القصص: 56) .
وأنا يا أختي الفاضلة لا أقول هذا تقنيطا لك من رحمة الله عز وجل؛ أو لأضيق عليك واسعا، أو لأقعدك عن عمل واجب مع أختك. حاشا لله، إنما قلته تهوينا عليك؛ وحتى تأخذي بالأسباب التي يسرها الله لك ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ بقلب المؤمن الواثق أن كل شيء في هذه الحياة إنما هو من قدر الله وقضائه.
فإن أتت أسبابك بنتيجة فبها ونعمت وهي من فضل الله تعالى، وإلا فإن الله لن يحاسبك إلا على ما قدمته من أسباب، أما النتائج فهي بيده سبحانه إن شاء يسرها وإن شاء منعها، وكل فعله تعالى عن حكمة وتدبير، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (216 - البقرة) .
فطيبي نفسا أيتها الأخت الكريمة، و استمري مع أختك فيما أنت عليه الآن من الاستعانة بالدعاء، وتلاوة القرآن، وتذكيرها بالله تعالى، وبأحوال الصالحين السابقين، وأنبياء الله الذين صبروا على المرض طويلا وعلى رأسهم أيوب عليه السلام. ولتتمثل بدعائه الذي ذكره الله لنا: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين* فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر...} (83،84- الأنبياء) .
وأهم شيء يا أختي الكريمة إضافة لما سبق هو ألا تيأسي من المحاولة مع الأطباء، فان لم يستطع طبيب استطاع آخر. ولتبحثوا عن طبيب ثقة له سمعة طيبة في مجال العلاج النفسي فتعرضوها عليه؛ فهي في حاجة شديدة لطبيب نفسي مع العلاج العضوي.
أسأل الله أن يشفي أختك من مرضها وأن يشفي أمراض المسلمين، وأن يهديها للحق ولما يحب ويرضى، وأن يجعل عملك هذا في ميزان حسناتك.
و يضيف الأستاذ مسعود صبري:
الأخت الفاضلة أم أمل
أمهد للإجابة على سؤالك بنقطتين:
الأولى: أشكرك على الاهتمام بأختك، فهذه من العرى الوثقى التي يثيب الله تعالى، فكما قال صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، سواء أكان نفعا في الدنيا ، أو عملا من أعمال الطاعة يرجى به ثواب الآخرة .
الثانية: اسم ابنتك"أمل"، أجعله خيطا نبدأ به، فنحن لا نستطيع أن نعيش دون أمل، فلولاه ما استطعنا أن نعيش على دنيانا، وكما أخبر الله تعالى على لسان يعقوب حين قال لبنيه: { وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87) ، فيجب أن يكون عندكم أمل .
أما عن مشكلة أختك، فأوجز قائلا:
الإنسان يتكون من روح وجسد، فمن الخطأ حين نعالج مرض البدن أن ننسى علاج الروح، فعلاج الجسد بلا اهتمام بالروح ضرب من الخطأ له آثاره السيئة، فابتلاء الأخت بالسرطان لا يعني نهاية الدنيا، وأحسب أنكم بعد فترة انهزمتم نفسيا، فأنتم في مقام المعالج، وعلى المعالج دائما أن يكون في مرتبة أعلى من المريض.