فهرس الكتاب

الصفحة 23856 من 27345

"أبو موسى"ـ بيت المقدس

الوعي العدد 146

بعد غياب دولة الإسلام، تلاشى عند الأمة مفهوم من أكثر المفاهيم أهمية إذ ساهم غيابه في قبول الأمة ما آلت إليه من واقع مرير، عطل فيه الحكم بما أنزل الله، وشتت شملها وولي أمرها غير أهله. هذا المفهوم هو مفهوم الرعوية، وأبسط صوره، أن تدرك الأمّة أن الحاكم ما هو إلا راعٍ لها، عليه أن يرعى شؤونها كافة، ما دقّ منها وما جل، دون تهاون أو تقصير، وإلا حاسبته وأمعنت في محاسبته، وأن يدرك الحاكم من جانبه أنه راع عليه رعاية شؤونها الداخلية والخارجية، ما تعلق منها بالجماعة، وما تعلق بالفرد، وأنه مسؤول عن هذه الرعاية. يحاسب عليها أمام الأمة في الدنيا، ثم أمام الله عز وجل في الآخرة.

-صلى الله عليه وسلم -يقول الرسول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... والإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته» ،

للأمة وترسخ فيها قرونا عديدة. ورغم ما- صلى الله عليه وسلم -هذا ما علمه الرسول طرأ عليه في بعض العهود من تشويش واضطراب، إلا أنه بقي ماثلا بين الراعي والرعية، إلى أن غاب الحكم بما أنزل الله فغاب معه وحل محله مفهوم المواطنة، فالعلاقات بين الناس لا تقوم على أخوة الإيمان، ولكن على كونهم يسكنون بقعة معينة من الأرض، ويحكمهم حاكم واحد، وترتفع فوق رؤوسهم رايات الوطن، لا راية الإسلام. وابتليت الأمة بحكام ما هم برعاة بل لا يصلحون رعاة لربضة غنم، لأنهم خانوا الله ورسوله وأماناتهم، وأوردوا الأمة المهالك، وأكلوا فيئها وأسلموها لأعداء الله، ولم يرقبوا فيها إلاًّ ولا ذمة، ولم يساووا بين الناس في الحقوق والواجبات، وقرَّبوا بعضهم من الأنصار، وأذلوا غيرهم من المعارضين. ولعل كثرتهم في ذاتها مصيبة ولو حكموا بما أنزل الله، لأن الأمر يتعلق براع واحد لا عدة رعاة، وهذا جانب مهم من جوانب مفهوم الرعوية،

:- صلى الله عليه وسلم -لقوله «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» ، ولإجماع صحابته رضوان الله عليهم من بعده على ذلك.

في ظل هذه الأجواء المفعمة بالظلم والاستبداد، وتغييب الإسلام، والغزو الثقافي، وانقطاع الأمة عن تاريخها وحضارتها، اضمحل مفهوم الرعوية عندها، فغدت لا ترى لها حقًا على هؤلاء الحكام في رعاية شؤونها، وفي محاسبتهم، وهذا مشاهد محسوس لا يحتاج لفضل بيان، غير أنه لا بد من الإشارة إلى ظاهرتين يتجلى فيهما هذا الأمر،

أولاهما: شيوع المؤسسات والجمعيات، التي يقوم عليها أفراد أو جماعات أو أطراف أجنبية، ترعى شؤون الفقراء والمحتاجين والمرضى والأيتام أو شؤون الناس التعليمية وغير ذلك، وتوجه الناس في قضاء حاجاتهم إليها، بعد غياب الدولة عن قيامها بتقديم هذه الخدمات للأمة، والتي هي من أوليات واجبات الحاكم.

وثانيتهما: الابتهاج والعرفان بالجميل الذي تبديه الأمة عند التفات الحاكم إلى بعض الحالات: كإطعام فقير، أو إيواء عاجز أو يتيم، أو تطبيب مريض أو غير ذلك، وتسميتها، أو قبولها تسمية ذلك، بحالة إنسانية وليست حالة رعوية، وكأن الحاكم تصدق عليها من ماله أو مال أبيه، وكأنها لا حق لها عليه.

وفي الوقت نفسه لا تتحرك لمحاسبته إن قصر في رعاية شؤونها، أو فرَّط في حقوقها، أو خان الأمانة التي أوكلتها إليه، وكأن هذا هو الأصل في الحاكم.

بعيدًا عن الإطالة والاستطراد في وصف الواقع المؤلم، نريد أن نعرض صورة لرعاية شؤون الأمة في الإسلام كما صورتها خطبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نتلوها بتعقيب يبرز بعض عناصرها، تاركين للقارئ فرصة المقارنة الأمينة بين واقع حاكم يحكم بما أنزل الله، وواقع حكام طواغيت يصدون عن سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت