أحدثت معركة بدر الكبرى، تحويلاً كبيراً في مجريات الأحداث داخل الجزيرة العربية، كما غيرت كثيراً من المعالم الاجتماعية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، ولعل أبرز ما أحدثته بادئ ذي بدء، ذلك الشرح الكبير في موازين القوى بين التجمعات السكانية والعشائر العربية، ولم يكن أحد من سكان الجزيرة العربية يتوقع آنذاك أن تغير هذه المعركة مجريات الأمور وأحداث الحياة، وكانت تسكن الجزيرة - بعد الهجرة بسنتين - فئات مختلفة نوزعت بين الحواضر والبادية، كما اختلفت تحالفات تلك الفئات تبعاً لعقائدها، حيث انقسمت الجزيرة العربية بسكانها قسمين رئيسين، مجتمع الكفر والضلال والجاهلية، ويشمل فئات متعددة، أبرزها مجتمع مكة الجاهلي، ثم مجتمع العشائر والقبائل العربية التي تعيش في البادية، وهناك طائفة اليهود التي كانت تقبع حول المدينة المنورة، وتعتبر هذه التجمعات هي أركان المجتمع الكافر بين يدي غزوة بدر، وأما القسم الثاني من سكان الجزيرة العربية، فهم المسلمون الذين اتخذوا المدينة المنورة سكناً لهم، وهم المهاجرون والأنصار، وسوف أتناول هنا أثر معركة بدر على كل فئة من هذه الفئات.
غزوة بدر في مجتمع المدينة المسلم:
ومجتمع المدينة مجتمع صغير، يجمع بين المهاجرين، والأوس والخزرج من الأنصار، بايعوا الله ورسوله على الإيمان والإسلام والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وبعد انتهاء معركة بدر، أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجلين إلى المدينة؛ ليزفوا البشرى لأهلها بنصر الله، وأحد هذين الرجلين من الأنصار وهو عبد الله بن رواحه شاعر الدعوة، والآخر زيد بن حارثة وهو من المهاجرين، ولما غنم أهل المدينة بنصر إخوانهم في معركة الإيمان والشرك الفاصلة، خرج رؤوسهم يستبقون وصول رسول الله إلى المدينة، ولما وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى منطقة الروحاء، التقى بكبار رجال المدينة المسلمة، الذين قدموا له ولمن شهد بدراً معه تهانئ النصر فرحين مستبشرين بنصر الله، وهذا موقف فيه كثير من الدلالات، لقد وفد المسلمون دون ما خوف أو هلع أو خشية، جاءوا مرفوعي الرأس بما منحهم الله من نصر، وكانوا يعانون من الظلم والرهق والعناد الذي كانت تواجههم به مجتمعات الكفر، فلقد رفعت غزوة بدر من معنويات المسلمين، فشد الله أزرهم بذلك، فازدادوا بذلك نصرًا فوق نصرهم، وأثناء تهنئة وفود المدينة للرسول وصحبة، قال لهم أحد المقاتلين، وهو سلمه بن سلامة، ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعاً كالبدن، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا ابن أخي، أولئك الملا، وقد قصد - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم الأشراف، وفي ذلك ما فيه من معاني العزة الإسلامية، فوصف سلمة بن سلامة لصناديد المشركين أثناء القتال بأنهم عجائز صلع كالبدن، يدل على مدى القوة التي منحها الإسلام العظيم لجنود بدر، بحيث كان كل جندي يستصغر فراعين قريش، وكفارها العتاة، الذين أذاقوا ضعاف المسلمين في مكة سوء العذاب، فقد كانوا هم الأشراف، وكانوا يعاملون المسلمين بأسوء أشكال العنف والاضطهاد.
أما موقف المتخلفين عن بدر من أهل المدينة المسلمين، فقد كان موقفاً مؤثراً جداً، كيف لا؟ وهم لا يعرفون أن إخوانهم وقائدهم سوف يخوضون هذه المعركة الفاصلة، التي انتصرت فيها القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة المشركة، ولعل في قول الصحابي أسيد بن الخضير ما يبوح بذلك، ففي الروجاء، كان أسيد مع وفود التهنئة، وقد خاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلاً:"يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر، وأنا أظن أنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عبر، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت.."
أما مجتمع المدينة فقد كان ينتظر نتائج المعركة على أحر من الجمر، ولما وصلهم البشيران (ابن رواحه وأن حارثه) علت أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير، وخُذِل المنافقون واليهود الذين كانوا يبشرون المسلمين بخسارة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، وكان هؤلاء يحاولون زرع الشكوك وبث الرعب في صفوف المسلمين، إلا أن خبر النصر أزعجهم، بينما عمت البهجة والسرور نفوس المسلمين، وزالت عنهم الهواجس المزعجة، التي انتابتهم نتيجة الإشاعات الكاذبة. والإرجاف المقصود، الذي نظمه اليهود والمنافقون، وهذا شأنهم في كل عصر وفي كل مكان، فهما فريقان متفقان دائماً على الكيد للمسلمين.