مقدمة:
أنزل الله القرآن الكريم ليكون كتاب هداية, وليخرج الناس من الظلمات إلى النور, وأراد الله تعالى أن يكون بلسان عربي, قال تعالى:?كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ? [فصلت: 3] , ولم يقتصر الأمر على كونه بلسان عربي, بل هو في قمة الفصاحة والبيان, قال تعالى: ?بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ? [الشعراء: 195] , وقد تحدى الله تعالى العرب الفصحاء أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي نزل بلغتهم, قال تعالى: ?وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ? [ البقرة: 23-24] , وعجز العرب -وغير العرب- أن يأتوا بمثله, وما هذا إلا لأن القرآن الكريم هو المعجزة العظمى لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولهذا فإن القران الكريم اشتمل على أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة, وسنحاول أن نعرض في هذا البحث أحد هذه الموضوعات البلاغية, ونوضح من خلاله روعة البيان القرآني, وتنوع المعاني للموضوع الواحد, ومدى الفصاحة التي اشتمل عليها القرآن الكريم .
وهذا الموضوع هو الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في القرآن الكريم .
تعريف الالتفات:
الالتفات لغة:
الالتفات من الفعل (لفت) وهو بمعنى اللّيّ وصرف الشيء عن جهته, يقول صاحب لسان العرب: لفت وجهه عن القوم: صرفه, وتلفت إلى الشيء والتفت إليه: صرف وجهه إليه، واللفت ليّ الشيء عن جهته (1) .
الالتفات عند البلاغيين:
هو الانتقال بالأسلوب من صيغة التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى صيغة أخرى من هذه الصيغ, بشرط أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدًا في نفس الأمر إلى الملتفت عنه, بمعنى أن يعود الضمير الثاني على نفس الشيء الذي عاد إليه الضمير الأول, فمثلًا قولك:
(أكرم محمدًا وأرفق به) ليس من الالتفات؛ فالضمير الأول في (أكرم) للمخاطب أي:
أنت, والضمير الثاني للغائب, ففيه انتقال من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب, ومع ذلك لا يسمى التفاتًا؛ لأن الضميرين ليسا لشخص واحد, فالأول للمخاطب والثاني لمحمد (2) .
أقسامه:
ينقسم الالتفات إلى أقسام هي:
1-الالتفات من التكلم إلى الخطاب, كقوله تعالى: ?وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? [يس: 22] , والأصل: وإليه أرجع, فالتفت من التكلم إلى الخطاب.
2-الالتفات من التكلم إلى الغيبة, كقوله تعالى: ?إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ? [ الكوثر: 1-2] , حيث لم يقل: فصل لنا.
3-الالتفات من الخطاب إلى التكلم, كقوله تعالى: ?قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ? [ يونس: 21] , على أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب, فالضمير في (قل) للمخاطب, وفي (رسلنا) للمتكلم .
4-الالتفات من الخطاب إلى الغيبة, كقوله تعالى: ?ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَاب? [الزخرف:70-71] , فانتقل من الخطاب إلى الغيبة, ولم يقل: يطاف عليكم.
5-الالتفات من الغيبة إلى التكلم, كقوله تعالى: ?وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا? [ فصلت: 12] , فانتقل من الغيبة إلى التكلم, ولم يقل: وزين.
6-الالتفات من الغيبة إلى الخطاب, كقوله تعالى: ?وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء? [ الإنسان: 21-22] , ولم يقل: كان لهم (3) .
أغراضه وفوائده:
إن كثيرًا من علماء البلاغة يرون أن للالتفات غرضًا رئيسيًا واحدًا وهو: رفع السآمة من الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب, فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة, ومن المتكلم إلى الخطاب أو الغيبة, فيحسن الانتقال من بعضها إلى بعض؛ لأن الكلام المتوالي على ضمير واحد لا يستطاب (4) . ولعل هذا الغرض هو من أهم الأغراض؛ لأن النفوس تستريح ويتجدد نشاطها إذا انتقل السياق من
حال إلى حال وتغير لون الكلام, لكن من الخطأ حصر الالتفات في هذا الغرض فقط, لأن المتتبع للالتفات وخصوصًا في القرآن الكريم يجد له أغراضًا أخرى كثيرة
ومتعددة, مما يجعل الالتفات موضوعًا بالغ الأهمية في علم البلاغة.