الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلّم
وأشهد ألا لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فطره الله على مكارم الأخلاق فهو على خلق عظيم , اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد أيها الإخوة المسلمون: اتقوا الله وأطيعوه واعلموا أن طاعته أقوم وأقوى { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } (البقرة 197) .
عباد الله: ليس أسعد للمرء ولا أطرد لهمومه ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم الصدر بعيدًا عن الحسد والحقد فإذا رأى أحدًا في نعمة رضي له بها وفرح وأدى فضل الله فيها وفقر عباده إليه وذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد والشكر) رواه أبو داود . وإذا رأى أذى يلحق بأحد من مصيبة في المال أو الولد أو البدن أشفق عليه ورق له قلبه ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه ويخلف عليه ما فقد خيرًا منه وبهذا يكون المسلم سليم الصدر مستريح النفس من نزعات الحسد والحقد , ومثل هذا الإنسان قلبه مشرق يبارك الله فيه لأنه إلى كل خير أسرع . من منا لا يرجو أن يكون من (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ )
تعرف على خصلة من خصالهم لتفز معهم بجنات ونهر.
أما نريد أن ينادى علينا يوم القيامة، يوم الطامة .. يومٌ يصيح فيه الناس بأنفسهم:نفسي نفسي، وأولئك ينادى عليهم حتى يمتازوا اليوم؟
روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ينادي منادٍ يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله عزّ وجلّ؟ فيقوم العافون عن الناس فيدخلون الجنة"
لماذا نرد الإساءة بالإساءة ولا نطمع بأن يثني علينا الله ويرزقنا الفضل العظيم؟
يقول تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)
من عزم الأمور: أي من حقائق الأمور التي يثاب فاعلها على ذلك وينال أجرًا عظيمًا.
أتعرف يوم تذكر الله عند غضبك ماذا تنال؟
سبحان الله العظيم وبحمده، أما تريد أن يذكرك الله يوم تغضب؟ لماذا إذا لا نرضى بنصرة الله بأن نعفو عن المسيئين إلينا؟
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما كسرت رباعيته في أحُد شُق ذلك على أصحابه مشقة شديدة فقالوا: يا رسول الله لو دعوت الله تعالى على هؤلاء الذين صنعوا بك ما نرى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لم أبعث لعانًا ولكني بعثت داعيًا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، وإبليس يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، وهو يتربص لنا في الدخول من المداخل الثلاث: الشهوة والغفلة والغضب، وتفكر معي بهذا الحوار:
ذكر أن إبليس جاء إلى موسى صلوات الله تعالى وسلامه عليه
فقال له: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلمك تكليمًا، وإنما أنا خلق من خلق الله تعالى أردت أن أتوب إلى ربك فاسأله أن يتوب عليّ، ففرح بذلك موسى، فدعا وصلّى ما شاء الله تعالى.
ثم قال: يا رب إنه إبليس خلق من خلقك يسألك التوبة فتب عليه.
فقيل له: يا موسى إنه لا يتوب.
فقال: يا رب إنه يسألك التوبة.
فأوحى الله تعالى: إني استجبت لك يا موسى فمره أن يسجد لقبر آدم فأتوب عليه
فرجع موسى مسرورًا فأخبره بذلك، فغضب من ذلك واستكبر
ثم قال: أنا لم أسجد له حيًا أأسجد له ميتًا، ثم قال: يا موسى إن لك حقًا عليَّ بما تشفعت لي إلى ربك، فأوصيك بثلاثة أشياء: اذكرني عند ثلاث خصال: اذكرني حين تغضب، فإني في قلبك أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى العدو في الزحف، فإني آتي ابن آدم حين يلقى العدو فأذكره زوجته وأهله وولده حتى يولى دبره، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم منك فإني رسولها إليك ورسولك إليها.
فإياك أن تسعد عدوك الشيطان في غضبك ، ولكن كن بالحلم متصفًا:
الحلم أوله مر مذاقته * * * لكن آخره أحلى من العسل
وخذ من سلفك الصالح قدوة حسنة تفز برضا الله تعالى عنك
روى ميمون بن مهران أن جارية له جاءت بمرقة فعثرت فصبت المرقة عليه فأراد ميمون أن يضربها فقالت الجارية: يا مولاي استعمل قول الله تعالى: (والكاظمين الغيظ) فقال: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده (والعافين عن الناس) قال: قد عفوت، فقالت: اعمل بما بعده (والله يحب المحسنين) فقال ميمون: أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى.
وذكر أن رجلًا من التابعين مدحه رجل في وجهه، فقال له: يا عبد الله لم تمدحني أجربتني عند الغضب فوجدتني حليمًا؟ قال: لا، قال: أجربتني في السفر فوجدتني حسن الخلق؟ قال: لا، قال: أجربتني عند الأمانة فوجدتني أمينًا؟ قال: لا. فقال: ويحك ما لأحد أن يمدح أحدًا ما لم يجربه في هذه الأشياء الثلاثة.