عبدالله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء 5/12/1426
الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله محمد وعلى آله وأصحابه وبعد فهذه ورقة مختصرة في النظر في حكم رمي الجمار قبل الزوال والله المستعان .
من المعلوم لدى جمهور أهل العلم أن وجوب رمي الجمار مما لا خلاف فيه بين أهل العلم وأنه أحد واجبات الحج، وأنه لا يسقط عن الحاج بالعجز عن أدائه بعد قيام وجوبه عليه مهما كانت حاله سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا ذكرًا أم أنثى مريضا أم صحيحا.
وأن النيابة عن العاجز بالرمي جائزة إذا كان العجز ثابتا غير مدعي .
وأن الرمي عبادة لها وقتها المحدد للرمي فيها .
وأن وقت رمي جمرة العقبة يوم العيد يبدء من جواز الدفع من مزدلفة ليلة جمع إلى غروب الشمس.
وفي جواز رمي جمرة العقبة- ليلة اليوم الحادي عشر من أيام التشريق - خلاف بين أهل العلم والقول بجوازه قول قوي عليه العمل وبه الفتوى .
وأن العلماء مجمعون - إلا من شذ - على أن رمي الجمار أيام التشريق بعد الزوال هو ما تبرأ به الذمة وتطمئن به النفس خروجا من الخلاف في ذلك ؛ وهو أفضل وقت للرمي .
وأن رميَ الجمار ليالي أيام التشريق قول لبعض أهل العلم صدر بالأخذ به قرار مجلس هيئة كبار العلماء فصار الإفتاء به والعمل عليه وتحقق به التيسير على حجاج بيت الله الحرام، ومن مستندْ الأخذ به التيسير ورفع الحرج ودفع المشقة.
وموضوع الجلسة النظر في توسيع وقت رمي الجمار أيام التشريق ليكون وقت الرمي لكل يوم منها كاملَ النهار مع كاملِ ليله .
لا يخفى أن جمهور أهل العلم لا يرون جواز رمي الجمار أيام التشريق إلا بعد الزوال إلى الليل وأن الرمي قبل الزوال لا يجزئ ومن اكتفى به فعليه دم ودليل ذلك فعله صلى الله عليه وسلم وقوله: (خذوا عني منا سككم) .
وهناك من أهل العلم من قال بجواز الرمي قبل الزوال لأن يوم العيد وأيام التشريق كلها وقت للرمي وأن الأفضل والأتم الرميُ بعد الزوال. قال بهذا القول من العلماء عطاء وطاووس وابو حنيفة وهو رواية عن أحمد في يوم النفر الأول وقال به اسحاق ومحمد الباقر وجزم به الرافعي وحققه الأسنوي وقال به ابن الجوزي وابن عقيل من الحنابلة وقولهم هذا يرد دعوى الإجماع على منع الرمي قبل الزوال.
واستُدِلَّ على قولهم بما يلي:
أولا: ليس في كتاب الله تعالى ، ولا في سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قول صريح في تحديد وقت الرمي بدءًا من الزوال ، وليس فيهما نص صريح في النهي عن الرمي قبل الزوال. والاحتجاج على منع الرمي قبل الزوال بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: خذوا عني مناسككم غير ظاهر. فكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في الحج هي على سبيل الاستحباب . وكلام علماء الأصول في تكييف فعله صلى الله عليه وسلم من حيث الوجوب أو الاستحباب أو الاباحة معلوم ومذكور في موضعه من كتب الأصول وأن مجرد الفعل لا يقتضي شيئا من ذلك وكثير من أفعاله صلى الله عليه وسلم في أعمال الحج كانت على سبيل الاستحباب ولم يحتج أحد على وجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم ) .
ثانيا: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص للرِعَاء والسقاة برمي جمار اليومين من أيام التشريق متقدما أو متأخرًا ؛ ولم ينههم صلى الله عليه وسلم عن الرمي قبل الزوال . وتأخير البيان عن وقت الحاجة منزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثالثا: ذكر مجموعة من أهل العلم أن للحاج تأخير رمي جماره إلى آخر يوم من أيام التشريق فيرميها مرتبة على الأيام السابقة وذكروا من تعليل ذلك أن أيام التشريق مع يوم العيد وقت واحد للرمي ، وأن الرميَ آخرَ يوم لجميع أيام التشريق رميُ أداء لا رميَ قضاء واستدلوا على جواز ذلك بترخيصه صلى الله عليه وسلم للرِعاء والسقاة بتقديم الرمي أو تأخيره . ولا يخفى أن غالب العبادات لها أوقات تؤدي فيها ومن ذلك الصلاة . ومن أوقات الصلاة ما يكون أوله وقتَ اختيار وآخرهُ وقتَ اضطرار كوقت الفجر ووقت العصر ووقت العشاء . وأداء الصلاة في أول وقتها أو في آخره سواء أكان ذلك في وقت الاختيار أم في وقت الاضطرار يعتبر أداءً لا قضاءً . وقد قال بعض أهل العلم في تعليل القول بجواز الرمي قبل الزوال . بأن وقت الرمي بعضه وقت اختيار وذلك من زوال الشمس إلى غروبها وبعضه وقت اضطرار وهو بقية اليوم بما في ذلك ليله .
ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في أن الصلاة في وقتها الاضطراري جائزة وتعتبر أداءً لا قضاءً مع الأثم في التأخير بلا عذر . فقياس وقت الرمي على وقت الصلاة من حيث الاختيار والاضطرار قياس وارد . وقد قال بهذا بعض أهل العلم في تعليل أن كامل الرمي آخر يوم من أيام التشريق رمي أداء لا رمي قضاء ومجموعة من أهل العلم قالوا بأن كامل يوم العيد وأيام التشريق وقت واحد للرمي .