التبليغ وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله - سبحانه -، وقد أُمر به - صلى الله عليه وسلم - بقوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (المائدة: 67) وإذ كانت رسالة الإسلام رسالة عالمية، وكانت حكمة الله البالغة قد اقتضت جَعْلَ لغات الناس التي يتفاهمون بها ويتواصلون لغاتًا متعددة ومختلفة، فقد كانت الترجمة وسيلة مهمة في إيصال رسالة الإسلام إلى الناس كافة.
ولا يخفى أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، وبهذا كانت العربية وعاء هذا الدين، إلا أن هناك كثيرًا من الشعوب والحضارات - التي دخلت دين الإسلام أو دخل الإسلام إليها - لا ينطق أهلها بالعربية، ومن هنا كانت الصعوبة في فهم رسالة هذا الدين وتطبيقه التطبيق الأسلم، وهكذا كان تعدد اللغات بين شعوب العالم من المشكلات التي تواجه الدعاة والمبلغين وتقف عقبة في طريقهم.
فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث سكان القارة الإفريقية بما يزيد عن 400 لغة، وبعض دول تلك القارة لديها ما يقرب من مائة لغة كنيجيريا وكينيا، ويقدر علماء اللغات أن عدد لغات العالم يصل إلى ما بين 2500-5000 لغة موزعة على القارات الخمس، وتقول الإحصائيات في هذا الشأن: إن حوالي ثلثي سكان العالم يتحدثون 27 لغة فقط، بينما يتحدث الثلث الآخر بقية اللغات...فإذا تأملنا حجم هذه الأرقام أدركنا حجم المشكلة وأدركنا بالتالي أهمية الترجمة، ودرجة الأهمية التي ينبغي أن تعطى لها.
وفي خضم هذه المشكلة وحاجة الشعوب الإسلامية للتعرف على دينها وقراءة كتاب ربها ظهرت بعض الجهود الفردية في ترجمة القرآن الكريم، إلا أنها افتقدت الترتيب والتخطيط فلم تؤت ثمارها المرجوة تمامًا... ومع كل ذلك فقد ساهمت هذه الجهود بشكل فعال في قطع الطريق أمام المغرضين، وسدَّت مسدًّا في هذا الدين كاد يدخل منه أعداؤه المتربصون به، كل ذلك في غياب الجهود الجماعية والرسمية التي كان ينبغي عليها أن تنهض للقيام بمثل هذه المهمة التي لا يمكن أن تكون على مستوى الأفراد فحسب.
ولا تزال تلك الشعوب تتطلع إلى اليوم الذي تُشاد فيه الهيئات الرسمية التي تتولى أمر هذه المهمة بعد أن أصبحنا نعيش في عصر المؤسسات وأصبح لكل أمر هيئة تتعهده وتقوم عليه من اقتصاد وسياحة ورياضة وغير ذلك، ونأمل أن نرى اليوم الذي توجد فيه المؤسسات والهيئات العلمية المتخصصة بترجمة القرآن الكريم إلى لغات العالم كافة، وما ذلك على الله بعزيز. {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف: 8) والحمد لله رب العالمين.