فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 27345

سلسلة دراسات إسلامية معاصرة

العلم في الإسلام

أنور الجندي

منشورات المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

###63### العلم في الإسلام

دعا الإسلام إلى العلم: فبدأت آيات القرآن بالدعوة إلى القراءة، قم أقسم بالقلم، وجعلت القراءة باسم الله خالصة، ونسبت التعليم إلى الله الذي علم بالقلم.

وورد لفظ العلم، ومشتقاته في القرآن في 870 آية، والعلم الذي دعا الإسلام إلى تحصيله، هو العلم على إطلاقه، وليس علم الدين فحسب، وكانت دعوة الإسلام إلى العلم مرتبطة بالنظر إلى آفاق السماء والأرض، والتأمل والتدبر والتفكر، وإلى النظر إلى مبادئ الخلق، وفي أحوال الأمم التي اندثرت وما تزال بقايا حضاراتها ومدنياتها، فنظرة الإسلام إلى العلم نظرة جامعة قد حاطها منهج كامل للمعرفة والفهم له مقوماته وضوابطه، فقد دعا إلى البرهان والحجة والتجربة، وحث على الاجتهاد، وجهل له أجرين، وحرم ###64### التقليد، ولم تكن هذه الدعوة بغير هدف، ولكنها كانت ترمي إلى أن يمتلك الإنسان إرادته ومسؤوليته، فيحقق أمانة وجوده ورسالة استخلافه، فقد دعا الإسلام إلى السيطرة على الحياة وإلى تملك مواردها ومقدراتها وإلى إنمائها وتسخير مواردها وتسليكها، ودعا إلى الكشف والابتكار، وجعل للمبتكرين الثواب، وأمر بتعمير الأرض والتنافس في الصنائع والفنون النافعة، وأعلن أن العلم يزكو بالإنفاق، وقد أخذ الله الميثاق على الذي يعلمون أن يبينوه للناس، ولا يكتموه، ودعا الإسلام المسلمين إلى استعمال حواسهم الظاهرة في النظر والتأمل كما حرضهم على طلب العلم والمعرفة والنظر في الكون والتأمل في الكائنات والتنقيب على أسرار الوجود، وحث حثًا متواصلا على العناية بتنمية العقل الإنساني وترقية الشخصية الإنسانية بالضرب في الأرض وتعرف أحوال الأمم وطبائعها ودراسة ما هي عليه من نظم وعادات، وهكذا فتح الإسلام الباب أمام البشرية للتقدم إلى مجالات البحث العلمي والمدنية، وكان ظهور الإسلام هو منطلق التحول الصناعي في العالم كله، ولقد كان من آثار ذلك أن أقام الإسلام للعلم منهجه ومنطلقه من حرية البحث وصراحة الفكر، وسلامة النظرة بعد أن حرر العقل البشري من ###65### الوثنيات والمادة، وعلم العالم كيف تتفق حرية الفكر مع استقامة الدين، واستطاع المسلمون أن يحققوا خطوات واسعة في هذا المجال في نفس الوقت الذي ظل مجرى عقولهم سليمًا قائمًا على الإيمان بالله مصدر العلم ومعلم الإنسان أسرار الكون وقوانينه، ومن أجل هذا المنطلق فرق الإسلام بين العلم النافع والعلم الذي لا حاجة إليه، ودعا المسلمين إلى أن يأخذوا من كل علم بما هو أحسنه.

ثانيًا: ومن منطلق هذا الاتجاه القرآني الذي قدمه الإسلام للمسلمين انطلق الصحابة الأولون إلى فكرة القياس، وهي أخطر فكرة في تاريخ الإنسانية جميعًا، وليس هذا هو القياس الأرسطي، بل هو المنهج التجريبي في أعظم صورة، وفكرة القياس لم توضع في عصر النبي وصحابته، وتحت تأثير القرآن نفسه كقياس الأشباه بالنظائر، والأمثال فحسب، بل وضع أيضًا في العصر القرآني قواعد القياس وشرائط العلوم. قال الزركشي في البحر المحيط: إن الصحابة تكلموا في زمن النبي في العلل، ويقول ابن خلدون: إن كثيرًا من الواقعات لم تندرج في النصوص الثابتة، فقاسها الصحابة بما ثبت، وألحقوها بما نص عليه بشروط من ذلك الإلحاق، تصحح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين حتى ###66### يغلب على الظن أن حكم الله فيهما واحد، وصار ذلك دليلا شرعيًا بإجماعهم عليه وهو:"القياس".

وقد تميز العلم الإسلامي بأنه (حسي - واقعي - تجريبي) خالِ من عنصر الخيال والقصة والتفسير اللاشعوري أو الشعر لأنه مقيد بالملاحظة والتجربة، كما قد تميز بأنه ناقد، فقد كان الفكر الإسلامي ثمرة عملية نقد كبيرة وعملية تصفية للفكر السابق وتجديد وبناء استغرق قرونًا زاهرة في حياة العقل في الإسلام، فقد اعتمد العلماء المسلمون على العقل والحس مطالبين أنفسهم وغيرهم بالدليل والبرهان واستطاعوا بعد الإطلاع على معارف الأمم أن يصححوها ويسيروا بالمعرفة خطوات هائلة، وكان تحديدهم للعلوم الطبيعية والكونية من طرق شتى:

البدء بدراسة المحسوس لا المجردات الذهنية.

وسيلة البحث: الحياة والعقل.

إدراك فكرة بمعرفة الحقيقة ووجوه الكم والمقدار في نظام الطبيعة.

الاهتمام في الحكم والإبداع في صنع العالم.

تحديد فهم المعرفة العلمية بالاعتماد على الملاحظة والتجربة.

وكان قد غلب على اليونان"الاستنباط النظري"فصحح المسلمون معارف القدماء، وابتكروا علومًا خاصة بهم، فجاء موسعي علم ###67### الكيمياء بمعناه الحديث"جابر بن حيان"ووضع"الحسن بن الهيثم"علم الضوء بمعناه الحديث، و"التباني"جدد علم الفلك. وقد أقام"جابر"علم الكيمياء على"التجربة"التي جعلها وسيلة كشف وتمحيص يسبقها ما لا بد منه قبلها، من تصور وتخطيط فكري يقود التجربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت