فهرس الكتاب

الصفحة 16066 من 27345

سعيد مراد ...

(وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة:165) ...

المؤمن واثق من فضل ربه، ذاكرا لأنعم الله، متحدثا بعطاء الله له في الدنيا، منتظرا ثواب الله ورضوانه في الآخرة... هذا بالضبط ما شاهدته في تركيا خلال زيارة استمرت أكثر من عشرة أيام في مدينة إسطنبول.. رأيت الإيمان متجسّدا في قلوب أخوة كراما علي أنفسهم أخلصوا لله دينهم فنذروا نفوسهم وأموالهم في طاعة الله طوعا؛ فقد أيقنوا أن ما لله دامَ واتّصل وما لغير الله انفصم وانقطع... فكان حبهم لله يسموا ويعلوا علي حب ما سواه... لقد أخذوا هذه المعاني وتعلموها قولا وعملا علي يد الأستاذ الشيخ محمد فتح الله كولن الذي جعل الدنيا مزرعة للآخرة واتخذ من الدنيا مطيّة لتحقيق العبودية المطلقة لله متأسيا في ذلك بأعظم معلّم عرفتْه البشرية"سيّد الكونين والثقلين صلى الله عليه وسلم"من عرب ومن عجم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذلك الرجل الذي بدأ حياته في رحاب العلوم الدينية التي تلقّاها في بيت شغَل كل أفراده بذكر الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. عاش حياته في أحضان أب اشتغل بالدعوة إلي الله علي بصيرة، وفي أحضان أم أحبّت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسها، وكانت دائما ما تشغل نفسها بالصلاة علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد نذرت هذه الأسرة الطيبة ابنها لحفظ القرآن الكريم ودراسة السنة الشريفة، أعدّته إعدادا طيبا حتى صار من أتقي رجال عصره وأصغى علماء بلده وبارك الله فيه وفي دعوته فصارت دعوة عالمية تملأ الآفاق وأثمرت هذه الدعوة المباركة رجالا (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23) .

وكان عطاء هؤلاء الرجال مثلا يحتذي به ونموذجا نقدمه للبشرية المرهقة الضائعة اليوم كي يدركوا أن الإسلام بخير، وأن المسلمين فيهم خير كثير، والأمل معقود علي نواصيهم حتى يصنعوا سلام العالم الذي نعيش فيه من خلال عمل يقدمونه وجهد يبذلونه ودعوة عظيمة للحوار بين كل البشر من أجل تحقيق التعايش السلمي بين جميع شعوب العالم.

ونماذج العطاء أكثر من أن تحصى وهي نماذج مشرفة لكل إنسان مسلم تعطي في مجالات عدة منها:-

مجال التعليم من خلال المدارس المنتشرة في أنحاء تركيا في جميع مراحل التعليم من رياض الأطفال حتى الجامعة وطلاب هذه المدارس احتكروا كل المراكز المتقدمة في جميع المراحل حتى صارت هذه المدارس موضع اهتمام المجتمع التركي بكل طوائفه وفئاته ومستوياته الاجتماعية من وزراء وبرلمانيين ورجال أعمال ورياضيين وفنّانين. الكل يرغب ويطلب ملحأ أن ينتظم أبناؤه في هذه المدارس، التي تتمتع بمستوي رفيع من الأساتذة خلُقيا ومعرفيا وتنظيميا مما ينعكس علي سلوك الطلاب في حياتهم العلمية والعملية. وانتشرت هذه المدارس وامتدت الخدمة خارج تركيا، وصارت مضرب المثل في العطاء والخدمة والتضحية... ومن النماذج المشرفة للعاملين في هذه المدارس؛ شاب يذهب للخدمة في سيبيريا وما إدراك ما سيبيريا مناخها شديد البرودة لدرجة أن السيارات تسير فوق المسطحات المائية من شدة تماسكها بسبب الجليد. ومع هذه البرودة تأتي حرارة الإيمان فتملأ الكيان الإنساني بالدفئ والحيوية. وهذا نموذج آخر رجل من أفضل الرجال يصحب تلاميذه في رحلة ويتعرض أحد التلاميذ للغرق في بُحيرة، فيُلقي الأستاذ بنفسه لإنقاذ تلميذه وينجوا التلميذ ويذهب الأستاذ إلي ربه شهيدا مجاهدا أمينا صادقا مع نفسه ورسالته.. والسؤال: ما الذي صنع هؤلاء الرجال؟ إيمان قويّ بالله وبالخدمة في سبيله. هل نرى مثل هذه النماذج وغيرها كثير في مجتماعتنا اليوم؟ إنهم رجال أشد حبا لله واقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم.

أما في مجال الخدمة العامة فالتنافس بين هؤلاء الرجال علي أشده، وصدق الله إذ يقول: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين:26) . فمن الرجال من يقيم علي نفقته الخاصة صروح العلم ومراكز الإقامة للطلاب والمساجد والمؤسسات الخيرية في مجال خدمة ذوى الاحتياجات الخاصة وكبار السن والمرضى... وإذا سألت أحدهم ماذا أبقيت لأهلك قال مقالة الصديق أبو بكر رضي الله عنه"أبقيت لهم الله ورسوله"... إننا أمام سيل الخير يتدفّق، إنهم أحبّاب الله... وقد صدق فيهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أحبّ الله عبدًا أَجرى الخَير على يدَيه للناس» ، وصدق فيهم قول الله عز وجل (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات:8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت