مصادر التفسير
تفسير القرآن بالقرآن
الكاتب/ مساعد بن سليمان الطيار
تفسير القرآن بالقرآن
طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن
حُجّيّةُ تَفْسير القرآن بالقرآن
يراد: بمصادر التفسير: المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسيره لكتاب الله ، وهذه المصادر هي: القرآن، والسنة، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين وتابعيهم ، واللغة، والرأي والاجتهاد.
وإنما قيل: »المراجع الأولية«؛ لئلا تدخل كتب التفسير؛ لأنها تعتبر مصادر ، ولكن الحديث هنا ليس عنها
.وقد اصطلح شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ) على تسميتها بـ (طرق التفسير) ، ذكر منها أربعة ، وهي: القرآن ، والسنة ، وأقوال الصحابة ، وأقوال التابعين في التفسير (1) .
وجعلها بدر الدين الزركشي (ت: 794هـ) مآخذ التفسير ، وذكر أمهاتها ، وهي أربع: النقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم الأخذ بقول الصحابة ، ثم الأخذ بمطلق اللغة، ثم التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع (2) .
وسيكون الحديث عن هذه المصادر متتابعًا ـ إن شاء الله تعالى ـ .
أعلى الصفحة
تفسير القرآن بالقرآن:
يعتبر القرآن أول مصدر لبيان تفسيره؛ لأن المتكلم به هو أولى من يوضّح مراده بكلامه؛ فإذا تبيّن مراده به منه ، فإنه لا يُعدل عنه إلى غيره.
ولذا عدّه بعض العلماء أول طريق من طرق تفسير القرآن (3) ، وقال آخر: إنه من أبلغ التفاسير (4) ، وإنما يُرْجَع إلى القرآن لبيان القرآن؛ لأنه قد يَرِدُ إجمال في آية تبيّنه آية أخرى ، وإبهام في آية توضّحه آية أخرى ، وهكذا.
وسأطرح في هذا الموضوع قضيتين:
الأولى: بيان المصطلح.
الثانية: طريقة الوصول إلى تفسير القرآن بالقرآن.
بيان المصطلح:
التفسير: كشفٌ وبيانٌ لأمر يحتاج إلى الإيضاح ، والمفَسّر حينما يُجْري عملية التفسير ، فإنه يبيّن المعنى المراد ويوضّحه. فتفسير المفسر لمعنى »عُطّلت« في قوله (تعالى) : (( وَإذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ ) ) [التكوير: 4] بأنها: أُهمِلت ، هو بيان وتوضيح لمعنى هذه اللفظة القرآنية.
وفي هذا المثال يُقَال: تفسير القرآن بقول فلان؛ لأنه هو الذي قام ببيان معنى اللفظة في الآية.
ومن هنا ، فهل كل ما قيل فيه: (تفسير القرآن بالقرآن) يعني أن البيان عن شيء في الآية وقع بآية أخرى فسّرتها ، أم أن هذا المصطلح أوسع من البيان؟
ولكي يتضح المراد بهذا الاستفسار استعرض معي هذه الأمثلة:
المثال الأول: عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: لما نزلت (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) ) [الأنعام: 82] .
قلنا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أيّنا لم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون ، (( لم يلبسوا إيمانهم بظلم ) ): بشرك ، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: (( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ) [لقمان: 13] « (5) .
المثال الثاني: قال الشيخ الشنقيطي (ت: 1393هـ) : (ومن أنواع البيان المذكورة أن يكون الله خلق شيئًا لحِكَمٍ متعددة ، فيذكر بعضها في موضع ، فإننا نُبيّن البقية المذكورة في المواضع الأُخر) .
ومثاله: قوله تعالى: (( وَهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا ) ) [الأنعام: 97] .
فإن من حِكَمِ خلق النجوم تزيين السماء الدنيا ، ورجم الشياطين أيضًا ، كما بينّه (تعالى) بقوله: (( وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ) ) [الملك: 5] وقوله: (( إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِب * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ) ) [الصافات: 6 ، 7] (6) .
المثال الثالث: قال الشيخ محمد حسين الذهبي: (ومن تفسير القرآن بالقرآن: الجمع بين ما يُتَوهم أنه مختلف؛ كخلق آدم من تراب في بعضٍ ، ومن طينٍ في غيرها ، ومن حمأ مسنون ، ومن صلصالٍ ، فإن هذا ذِكْرٌ للأطوار التي مرّ بها آدم من مبدأ خلقه إلى نفخ الروح فيه) (7) .
نقد الأمثلة:
إذا فحصت هذه الأمثلة فإنه سيظهر لك من خلال الفحص ما يلي: ستجد أن المثال الأول وقع فيه البيان عن المراد بالظلم بآية أخرى ، أي: إن القرآن وضّح القرآن.
لكنك هل تجد في المثالين الآخرين وقوع بيان عن آية بآية أخرى؟ ففي المثال الثاني: تجد أن المفَسّر جمع عدة آيات يربطها موضوع واحد ، وهو حكمة خلق النجوم ، فهل وقع بيان لآية بآية أخرى في هذا الجمع؟ لاشك أنه لم يقع هذا البيان ، لأن الأية الأولى التي جمع المفسر معها ما يوافقها في الموضوع لم يكن فيها ما يحتاج إلى بيان قرآني آخر.