فهرس الكتاب

الصفحة 23526 من 27345

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فمازال الحديث متصلًا عن سورة يوسف، ولعلنا نبدأ الوقوف مع آياتها تفصيلًا، غير أنه يحسن التأكيد على أن هذه السورة، سورة مكية، نزلت بعد سورة هود - عليه السلام - وعدد آياتها إحدى عشرة و مائة آية، وقد ذكر بعض العلماء أن هذه السورة مكية إلا آيتين منها أو ثلاث، ولكن الراجح أن جميع السورة مكية وليس فيها أي آية مدنية، وهذا يبين لنا المدة الحرجة التي نزلت فيها السورة، وبالأخص إذا علمنا أن وقت نزولها كان بين عام الحزن وبين بيعة العقبة الثانية، من تاريخ الدعوة في العهد المكي، وهذا التاريخ تحسن مراعاته لفهم هذه السورة، وملاحظة مرامي آياتها ودلالاتها، فهذه المدة في العهد المكي بين عام الحزن وبين بيعة العقبة الثانية، اشتد فيها أذى قريش، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فقد بلغة الشدة والأذى والابتلاء والتعذيب مبلغها من كفار قريش لصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه السورة تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته، فهي تقول لهم: إن يوسف - عليه السلام - الذي مر بمصائب عظام، وشدائد جسام، ومحن يرقق بعضها بعضًا، قد نجا منها جميعًا، وكانت عاقبته تلك العاقبة الحميدة، فاصبروا كما صبر الرسل، وثقوا بموعود الله لكم، فإنكم بعد هذا البلاء وهذا الأذى ستنتصرون - بإذن الله - ولذلك قال الله - تعالى - في آخرها:"حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ" (يوسف: من الآية110) .

وهذا أمر معنى ينبغي أن يستحضره قارئ السورة، وبخاصة في أيامنا هذه، فإن أمتنا اليوم قد تداعى عليها الأعداء من كل حدبٍ وصوب، وتسلطت عليها الأمم كما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغ الأمر مبلغه في نفوس كثير من المسلمين، وبدأ التشاؤم واليأس والقنوط، وبدأ الاستعجال، وبدأ التنازل، وكل ذلك لن يكفل حلًا ولن يجد به أصحابه مخرجًا.

والسورة تقول للمؤمنين، الصابرين الصادقين"لا تهنوا ولا تحزنوا فأنتم الأعلون - بإذن الله - يوسف - عليه السلام - مرت به هذه المحن، مرت به وبأبيه وبأهله وتجاوزها جميعًا، مرت به محن الضراء والسراء، فاستطاع أن يتجاوزها، ووصل إلى ما وصل إليه من علو وسؤدد ومجد، فلا يأس ينبغي أن يدب في النفوس، والقارئ يجد النموذج العملي والقدوة الماثلة في يعقوب - عليه السلام - إذ يقول لأبنائه يوم جاؤوا بخبر فقد ابنه الآخر:"يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (يوسف:87) ."

قد يقول قائل: كيف نصل إلى ما وصل إليه يوسف؟ كيف ننجو من هذا البلاء الذي نحن فيه؟ كيف نتخلص من مكايد الأعداء؟ كيف نرتفع بمستوى الأمة نحو السؤدد والعلو والمجد والخلود كما كانت في قرونها المفضلة؟ جواب ذلك كله في قوله صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي" (1) .

فقراءتنا لهذه السورة، ووقوفنا معها، مما يبين سبيل رفع شأن الأمة. شريطة أن نتعلمها ونعمل بها، فالقرآن ما نزل من أجل التلاوة فقط، بل نزل من أجل العمل والالتزام والتنفيذ، ولذلك كان الصحابة - رضوان الله عليهم - كما في أثر أبي عبد الرحمن السلمي لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت