فهرس الكتاب

الصفحة 4764 من 27345

يتناول الدرس موضوعا من من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعني بها أهل العلم وطلابه في هذا العصر، والتي هي أحوج ما يحتاج إليه المسلمون بعامة، وطلاب العلم بخاصة، مسألة الافتراق: مفهومه وأسبابه، وسبل الترقي منه، والحذر من الوقوع فيه. لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الأهواء، وسيطرت علي الناس، وكثر فيه الخبث والنفاق .

إن من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يعني بها أهل العلم وطلابه في هذا العصر، والتي هي أحوج ما يحتاج إليه المسلمون بعامة، وطلاب العلم بخاصة، مسألة الافتراق: مفهومه وأسبابه، وسبل الترقي منه، والحذر من الوقوع فيه. لا سيما في هذا العصر الذي كشرت فيه البدع وأخرجت أعناقها، وكثرت فيه الأهواء، وسيطرت علي الناس، وكثر فيه الخبث والنفاق.

نعم، لقد كثرت الأهواء، رغم كثرة العلم وانتشاره، إلا أنه لا بركة فيه لأصحابه، ولا يفيد الكثيرين ممن تلقوه؛ لأنه إما أن يكون تلقيه عن غير المصادر الأصلية، أو عن غير أهله، أي من غير الكتاب والسنة، والآثار ومصنفات أئمة الهدي المقتدي بهم في الدين، أو علي غير منهج أهل العلم والفقه في الدين، والبركة إنما تتحقق في العلم الذي يؤخذ عن العلماء، وهو الأصل الذي هو سبيل المؤمنين، أما أخذ العلم عن الوسائل دون الرجال فإنه لا ينفع، مما نتج عنه ظهور الأهواء والآراء الشاذة عن السنة، وشيوع مظاهرة الافتراق، وبحثنا هذا سيكون عن: الافتراق، مفهومه، أسبابه، وسبل التوقي منه.

المسألة الأولي: مفهوم الافتراق:

في اللغة: من المفارقة، وهي المباينة والمفاصلة والانقطاع، والافتراق أيضًا مأخوذ من الانشعاب والشذوذ ومنه الخروج عن الأصل، والخروج عن الجادة، والخروج عن الجماعة.

وفي الاصطلاح: الافتراق هو الخروج عن السنة والجماعة في أصل من أصول الدين القطعية أو أكثر، سواءً كانت الأصول الاعتقادية، أو الأصول العملية المتعلقة بالقطعيات، أو المتعلقة بمصالح الأمة العظمي، أو بهما معًا.

فمخالفة أهل السنة والجماعة في أصل من أصول الدين في العقيدة افتراق، ومخالفة جماعة المسلمين وإمامهم فيما هو من المصالح الكبرى افتراق. والخروج عن إجماع المسلمين عملًا افتراق، وكل كفر أكبر يعد افتراقًا وليس كل افتراق كفرًا. كل عمل أو اعتقاد يخرج به الإنسان عن أصول الإسلام وعن قطعيات الدين وعن السنة والجماعة وهو يقتضي الكفر فإنه مفارقة، لكن ليس كل افتراق كفرًا بمعني أنه قد يقع الافتراق من طائفة، أو فريق من الناس، أو جماعة، لكن قد لا توصف بالكفر، حتي إن افترقت عن جماعة المسلمين في عمل ما، كافتراق الخوارج، فالخوارج الأولون افترقوا عن الأمة، وخرجوا عليها بالسيف، وفارقوا جماعة المسلمين وإمامهم، ومع ذلك لم يحكم الصحابة بكفرهم، بل اختلفوا فيه.

المسألة الثانية: الفرق بين الاختلاف والافتراق:الفرق بن الافتراق والاختلاف أمر مهم جدًا، وينبغي أن يعني به أهل العلم، لأن كثيرًا من الناس خاصة بعض الدعاة، وبعض شباب الصحوة الذين لم يكتمل فقههم في الدين، لا يفرقون بين مسائل الخلاف ومسائل الافتراق، ومن هنا قد يرتب بعضهم علي مسائل الاختلاف أحكام الافتراق، وهذا خطأ فاحش أصله الجهل بأصول الافتراق، ومتي يكون؟ وكيف يكون؟ ومن الذي يحكم بمفارقة شخص، أو جماعة ما؟ من هنا كان لا بد من ذكر بعض الفروق بين الاختلاف وبين الافتراق، وسأذكر خمسة فروق علي سبيل المثال لا علي سبيل الحصر:

الفرق الأول: أن الافتراق أشد أنواع الاختلاف، بل هو من ثمار الخلاف، إذ قد يصل الخلاف إلي حد الافتراق، وقد لا يصل فالافتراق اختلاف وزيادة، لكن ليس كل اختلاف افتراق، وينبني علي هذا الفرق الثاني.

الفرق الثاني: وهو أنه ليس كل اختلاف افتراق، بل كل افتراق اختلاف، فكثير من المسائل التي تنازع فيها المسلمون هي من المسائل الخلافية، ولا يجوز الحكم علي المخالف فيها بالكفر، ولا المفارقة، ولا الخروج من السنة.

الفرق الثالث: أن الافتراق لا يكون إلا علي أصول كبرى، أي أصول الدين التي لا يسع الخلاف فيها، والتي ثبتت بنص قاطع أو بإجماع، أو استقرت منهجًا عمليًا لأهل السنة والجماعة لا يختلفون عليه، فما كان كذلك فهو أصل، من خالف فيه فهو مفترق، أما مادون ذلك فإنه يكون من باب الاختلاف، فالاختلاف يكون فيما دون الأصول مما يقبل التعدد في الرأي، ويقبل الاجتهاد، ويحتمل ذلك كله، وتكون له مسوغات عند قائله، أو يحتمل فيه الجهل والإكراه والتأول، وذلك في أمور الاجتهاديات والفرعيات، ويكون في بعض الأصول التي يعذر فيها بالعوارض عند المعتبرين من أئمة الدين، والفرعيات أحيانًا قد تكون في:

بعض مسائل العقيدة التي يتفق علي أصولها، ويختلف علي جزئياتها، كإجماع الأئمة علي وقوع الإسراء والمعراج، واختلافهم وتنازعهم في رؤية النبي صلي الله عليه وسلم لربه فيه، هل كانت عينيه، أو قلبيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت