فهرس الكتاب

الصفحة 14114 من 27345

الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [ النساء:1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران:102] . ? يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .

في كل عام وفي مثل هذه الأيام يتحدث المتحدثون ويخطب الخطباء ويحاضر المحاضرون عن القضية والحدث، القضية هي قضية الأمة الإسلامية قضية ضياع فلسطين واغتصابها من قبل أعداء الله اليهود والصليبين الذين يمدونهم في الغي والضلال ثم لا يقصرون. أما الحدث والمناسبة فهي مناسبة الإسراء والمعراج تلك الحادثة العظمى التي أكرم الله بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ولست بصدد ذكر وقائعها وتفصيلاتها، فقد ذكرها الله عز وجل في كتابه وفصلت السنة والسيرة النبوية أحداث ووقائع تلك الآية الكبرى والمعجزة العظمى ونحن نقرأها في كل وقت وحين. إن معظم الذين يتحدثون عن مأساة فلسطين وضياعها ويتباكون عليها يتعاملون مع الأحداث مجردة عن أسبابها ونتائجها ، إن البعض ينادي بقائد رباني كصلاح الدين ليحرر بيت المقدس من دنس اليهود الحاقدين.

والبعض يختزل التاريخ والأحداث ويخلص من ذلك إلى أن ما تحتاجه الأمة الإسلامية في معاركها الداخلية والخارجية اليوم، هو وجود قائد مسلم يستلهم روح الجهاد، ويعبئ الصفوف ويعلن المعركة، ومع إيماننا بما للقيادة من أثر في تقويم الأمور وإصلاحها إلا أن آيات القرآن الكريم تقرر حقيقة ثابتة هي أن التغيير إلى الأفضل أو الأسوأ لا يحدث إلا إذا سبقه تغيير جماعي يقوم به القوم لا الأفراد ، تغيير لما بالأنفس من مفاهيم واتجاهات تنعكس على أحوالهم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية كما قال تعالى: ? ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ...? [ الأنفال:53] . وقال: ? ...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...? [الرعد:11] .

إن حصر الانتصار بشخص أو ربط الهزيمة بفرد دون النظر إلى الأمراض الحقيقية التي تنخر في جسم الأمة من داخلها هو حماقة ، وخداع للنفس وتضليل لها.

وإذا ما نظرنا إلى جيل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله والذين قادوا عملية التغيير وحققوا للأمة النصر على الأعداء الداخليين والخارجيين سنجد أنهم بدؤوا أول ما بدؤوا بتحقيق هذه السنة والأخذ بها، إنها سنة التغيير الشامل لما في النفوس وإن المتأمل في الحقبة التاريخية التي مهدت للصليبيين الاستيلاء على بيت المقدس سيجد أن سلبيات كثيرة قد وقعت فيها الأمة الإسلامية ، ومن تلك العوامل التعصب المذهبي البغيض الذي مزق الأمة وفرق كلمتها وأجج فيها روح العداء والتشاحن والخصام ، لقد انشغل علماء الأمة ومفكروها بأنفسهم، وابتعدوا عن وظيفتهم الأساسية في تعليم الناس وتربيتهم على قيم الدين وأخلاق الإيمان وحين انشغل أهل العلم والفتوى بخلافاتهم، وتركوا فراغًا ملأه المتطفلون من أنصاف العلماء والمتعلمين والبلداء فضلوا وأضلوا، وكان هذا من أعظم التحديات التي واجهت الأمة لقد طمسوا معالم الدين وحرفوا مفاهيمه ، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله . ومن السلبيات التي ظهرت في ذلك العصر ظهور فرق الباطنية بما تحمله من أفكار ومعتقدات مناهضة للإسلام والمسلمين فقد انتشر دعاة هذه الفرق الضالة في غرب العالم الإسلامي وشرقه، ناشرين للفساد مثيرين للفتن والقلاقل. كما قاموا باغتيال الشخصيات التي تفضحهم وتبين كفرهم فقد قتلوا مئات القادة والعلماء والسلاطين، ونشروا الرعب في كل مكان.

لقد انفتح المجال للعقائد الفكرية والاتجاهات الإلحادية التي كان يقف وراءها المجوس واليهود والصليبيون الذين تهاوت حضاراتهم وفلسفاتهم أمام الفتح الإسلامي، وحينها عجزوا عن مقاومة الإسلام، فقد أظهره الله رغم أنوفهم فناصبوه العداء وأرادوا أن يكيدوا له من الداخل ويغيروا دين الله، فكانت تلك الفرق صورة من صور كيدهم ومكرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت