عز الدين فرحات
وظلوا ينزفون على الروابي وشمسهم لمغربها تميل
يذوب الصخر من وجع عليهم وتغتم المرابع والسهول
وتتوالى الأحداث وتسيل بحار الدماء في مذابح يتبع آخرها أولها بل ليس لها من آخر....
ويخرج رجال المقاومة الفلسطينية من بيروت بعد أن أخذوا العهود والمواثيق على الوسطاء بألا يمس المدنيين أذى من اليهود... ولكن من هؤلاء الوسطاء؟... ويخرج الرجال. ولا يبقى إلا النساء والأطفال والشيوخ لا يملكون شيئًا ولا حول لهم ولا قوة، وتدخل قوات اليهود وعملاؤهم لتنتهك ستر الليل فتعمل فيهم القتل، فتهدم الدور على من فيها وتسيل أنهار الدم.
وقعت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا بين 16 و18 سبتمبر 1982، بعد أن سمحت قوات الجيش الإسرائيلي المسماة"قوات الدفاع الإسرائيلي"التي كانت تحتل بيروت آنذاك تحت القيادة العامة (لأرييل شارون) بصفته وزيرا للدفاع آنذاك لأفراد ميليشيا"الكتائب"بدخول المخيمين؛ وأغلب الظن أن الحصيلة الدقيقة للقتلى من المدنيين الذين أزهقت أرواحهم في هذه المجزرة لن تُعرف أبدًا؛ فتقديرات المخابرات العسكرية الصهيونية تشير إلى أن ما يتراوح بين 700 و800 شخص قد قُتلوا في صبرا وشاتيلا أثناء المجزرة التي استغرقت اثنتين وستين ساعة، بينما قالت مصادر فلسطينية وغيرها إن عدد القتلى بلغ بضعة آلاف. من بينهم الأطفال والنساء (بما في ذلك الحوامل) والشيوخ؛ ومُثِّل ببعضهم أشنع تمثيل، ونُزعت أحشاؤهم قبل أو بعد قتلهم. كما ذكر الصحفيون الذي وصلوا إلى الموقع إثر المجزرة أنهم شاهدوا أدلة على عمليات إعدام فوري للشبان. وهذا ما رواه الصحفي توماس فريدمان في صحيفة"نيويورك تايمز"، حيث قال:"رأيت في الأغلب مجموعات من الشبان في العشرينيات والثلاثينيات من عمرهم، صُفُّوا بمحاذاة الجدران، وقُيِّدوا من أيديهم وأقدامهم، ثم حُصدوا حصدًا بوابل من طلقات المدافع الرشاشة بأسلوب عصابات الإجرام المحترفة".
فأين العهود والمواثيق بالحفاظ على سلامة المدنيين، وكأن شيئًا من هذه العهود والمواثيق لم يكن... يقول الشاعر حمد محمد الصديق:
أين المواثق والزمام
لا عهد يرعاه اللئام
هذى حصائد أمتي
بعد التفرق والخصام
بعد التخاذل والسكون
وبعد مأساة الختام
هو ذا القعود عن الوغى
هي ذي مراتعه الوخام
هو ما ترى الدنيا
وتشهده من الموت الزؤام
ثم يوجه الخطاب للأمة الإسلامية التي تخاذلت فهانت:
يا أمتي كم هان قد
رك... ذلة بين الأنام
ما عاد يحتمل الخنوع
ففجري الصمت العقام
أَوَ يُدفن الآلاف من أبناء
شعبي في الركام
يستصرخون ولا مغيث
ويذبَّحون ولا انتقام
أو يبلغ الإذلال هذا
المنتهي ؟! يا للملام
ثم يصور المأساة وما حدث لقومه في مذابح صبرا وشاتيلا:
بيروت تشهد كيف
لا ويضيق بالجثث الرغام
وبباد شعب كامل
بالغدر في جنح الظلام
حتى الرضيع وأمه
والشيخ يذبح والغلام
وتسيل أنهار الدم ال
موار تلهب كالضرام
وتصعد الأرواح إلى بارئها تشكو لربها حال العباد. وتطل من عليائها تنتظر وتطالب بالثأر:
وتطل أرواح الضحايا
الأبرياء من الغمام
تشكو إلي الرحمن ما
كانت بمحنتها تسام
تدعو إلى الثأر المرير
إلى الجهاد إلى الصدام
تدعو... ولكن من يجي
ب وكل من تدعوا نيام
وتعذب المرأة المسلمة وتهان في مخيمات اللاجئين.. يقتل الزوج ويتبعه الابن وتهدم الدار، ومازالت المرأة مؤمنة بالله ومؤملة في العودة إلى دارها هناك في فلسطين... تبكي فتختلط الدموع بالدماء.... ويصف لنا الأستاذ يوسف العظم هذه الأحداث على لسان صاحبة الحدث فتبكي المرأة وتقول:
ذبحوني من وريد لوريد
وسقوني المر في كل صعيد
مزقوا زوجي. فلم أعبأ بهم
ومضوا نحو صغيري ووحيدي
غرسوا الحربة في أحشائه
فغدا (التكبير) أصداء نشيدي
دمروا بيتي.. وهل بيتي هنا؟!
إن بيتي خلف هاتيك الحدود
وظنت المرأة الثاكلة أن حمية العرب ونخوة المسلمين مازالت موجودة، هذه النخوة التي حركت المعتصم خليفة المسلمين لينقذ المرأة المسلمة التي صرخت حين وقعت في أسر الروم: (وامعتصماه) فقال لبيك يا أختاه. أما اليوم، فكم من صرخة تنطلق وكم من أنِّة مكتومة وكم من دمعة ساخنة من أم مكلومة.. ولكن أين المعتصم؟
وتلَّفت فلم أعثر على
غير أبناء الأفاعي والقرود
أين بأس العرب مذخور لمن؟
أين أبناء الحمى درع الصمود؟
ودمي سال على تلك الربى
ينثر العطر على حمر الورود
ولغ الغاصب في أشلائنا
غير أنا لم نزل"سمر الزنود"
قل لمن يلهث في"غفلته"
ينشد السلم تمتع بالصديد
ذبحوني من وريد لوريد
ودمي يجتاح أحقاد اليهود
ذبحوني من وريد لوريد
غير أني لم أطأطئ ليهودي
أما الشاعر يحيى برزق فيوجه رسالة إلى اليهود يهددهم فيها بأن لعنة الدماء الفلسطينية ستظل تطاردهم في كل مكان وفي كل شيء حولهم فيقول:
دَمَنَا عَلى أبوابكم
دَمُنَا عَلى أَثْواَبكُمْ
دَمُنَا يُلوِّنُ خُبْزَكُمْ
دَمُنَا طِلا أكْوابِكُمْ
يا مَنْ عَبَدّتُم عِجْل إِس