فهرس الكتاب

الصفحة 26302 من 27345

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أما بعد …

فوحدة العمل الإسلامي موضوع يستحق الكثير من الحديث ولو كان تكراراً ؛ ذلك لأن وحدة العمل الإسلامي مطلب للجميع من داخل الصف الإسلامي ومن خارجه، فقد وصلنا إلى قناعة على مستوى قواعد الصف الإسلامي بأن الواقع المعاصر واقع غير شرعي ويحتاج إلى تغيير، وأنه لا بد من وحدة للعمل الإسلامي . لكن مشروعاً في مثل هذه الضخامة ومثل هذا القدر أحسب أنه لا يكفي أن نختزله فقط في الحديث عن ضرورة الوحدة وأهميتها وذم الفرقة، فهذا أمر يتفق عليه الجميع ويسعون إليه، ولا إخال داعية جاداً مخلصاً يرى أن الفرقة والنزاع والجدل والخصومة واقع شرعي .

إن الكثير يتحدثون عن وحدة العمل الإسلامي ، والكثير يتحدثون عن الفرقة والواقع المرير الذي يعاني منه العمل الإسلامي بسلبياته .. لكن الذين يتحدثون عن برنامج عملي للوحدة قلة قليلة حين نقارنهم بأولئك الذين يدعون دعوة مجملة إلى الوحدة ويذمون الفرقة . والواقع المعاصر واقع لسنا بحاجة إلى الإفاضة في الحديث عنه ، لكني سأثير باختصار شديد لثلاثة محاور ستدور المحاضرة حولها وأول تلك المحاور: الإشارة إلى مشكلات الواقع المعاصر والمرتبطة بقضية التفرق أو قضية افتقاد الوحدة ، وثانيها: أسباب الواقع المعاصر ، وأخيراً: بعض المقترحات للعلاج ولعلّي أركز على الشق الأخير .

أولاً: إن السلبيات الظاهرة هي إفراز لتعدديةٍ غير شرعية للعمل الإسلامي، منها على سبيل المثال:

* التحزب وتحول العصبية إلى أحزاب ، حاملةً المواصفات نفسها التي تحملها تلك الصراعات القبلية أو المذهبية التي كانت ولا تزال الأمة تعاني منها .

* الولاء والبراء على أساس الانتماء الحزبي .

* التهارج والاتهام فنجد القضية تتجاوز حد الصراع اللفظي إلى التأليف والتصنيف في معايب ومساوئ هذه الجماعة ومعايب ومساوئ الأخرى ، وتعلوا فيها لغة السب والشتم والتهارج والصراع أكثر من لغة النقد والتقييم الموضوعي .

* صراع المواقع حيث أن هذه الجماعات تلتقي في قطر واحد أو بلد واحد فتعيش صراعاً حميماً على مواقع النفوذ وكأن القضية قضية صراعٍ مع تيار علماني أو مع تيار مفسد ، فتراهم يرون أن من أهداف وأولويات المرحلة اكتساب المواقع قبل هذا التيار

* اعتقاد سلامة المنهج دون غيره من المناهج فكل منتمٍ إلى جماعة أو طائفة يعتقد أن منهجه هو الحق وأن ما عليه هو الصواب وأنه هو وحده الكفيل بتغيير واقع الأمة ، أما المناهج الأخرى فهي مناهج فاشلة لأنها لا تملك الشمول أو صحة المنهج؛ فهي تحمل من الفشل ما لا يؤهلها للتغيير ، فليس ثمة منهج مؤهل للتغيير إلا المنهج الذي ينتمي إليه .

* عدم الاستفادة من انتقاد الآخرين ، فلا شك أن كل جماعة تطرح انتقاداً سواءً كان مباشراً أو غير مباشر ، موجهاً أو غير موجه لتلك الأخطاء التي تقع فيها الجماعات الأخرى، والواقع أنّا لا نكاد نرى استفادة تذكر من الانتقادات التي يطرحها الآخرون ، والداعية الجاد الناصح يستفيد حتى من أعداءه فضلاً عن إخوانه .

إن الصورة المرضية للتعددية الموجودة في الواقع المعاصر فرضت حجاباً حال دون الاستفادة من انتقاد وتقويم الآخرين ورأيهم، مما أدى إلى افتقار التكامل في العمل الإسلامي.

* اعتبار الانتماء معياراً للجرح والتعديل فيكفي لقبول شخص من الأشخاص أو رفضه أن تعرف أنه ينتمي إلى هذا الاتجاه أو هذا العمل . وتتعجب حينما تجد شخصاً قد يلقى قبولاً عند الناس ، فحين يعرف انتماءه واتجاهه يتغير الموقف عليه ، والعكس صحيح ، فأصبح المعيار في القبول والرفض معرفة الاتجاه والولاء .

* تناقض المواقف فهناك قضايا وأحداث تحتاج إلى أن يوقف منها موقف مشترك بين فصائل العمل الإسلامي، ومصلحته تقتضي وحدة الموقف ومع ذلك نرى صراعاً مريراً حول المواقف دون النتسيق ولعل أبرز الأمثلة على ذلك: أزمة الخليج الثانية التي حولت العمل الإسلامي في كثير من المناطق والبلدان الإسلامية إلى تيارين وشقين متصارعين وكل منهم يقذف صاحبه بافتقار المنهج لأنه وقف هذا الموقف . مع أن هؤلاء لو تناقشوا واجتمعوا لرأوا أن ثمة نقاط يتفقون على قبولها ، وثمة نقاط يتفقون على رفضها فتبقى بعد ذلك دائرة الخلاف ضيقة يمكن تنسيقها كموقف موحد ، ومما يؤسف له في بعض البلاد الإسلامية التي تؤمن بالعمل السياسي والنيابي أنه حين يدخل تيار إسلامي معترك العمل السياسي تجد أن الآخرين ممن لا يرى مشروعية هذا العمل يقفون ضدهم وربما صوتوا ضدهم ودعوا الناس لذلك، فيشعر العلمانيون أن هؤلاء يقدمون لهم خدمة بالمجان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت