محمد المجذوب
عرفته لأول مرة قبل خمس عشرة سنة ...
وكان ذلك في بيت الطلبة الأندونيسيين ...
دعاني بعضهم للاستماع إلى محاضرة يلقيها الدكتور محمد ناصر ...
ولم يكن ذلك الاسم غريبًا عني ، فقد قرأت عنه الكثير خلال مطالعاتي أنباء الدولة الإسلامية الكبيرة الجديدة أندونيسية ...
وكانت محاضرة رائعة على الرغم من أني لم أفهم حرفًا من لغتها الأصلية ، إلا أن الطالب الذي تابعها بالترجمة كان فصيح العربية مبينها ...
ولم يبق في ذاكرتي شيء من موضوع تلك المحاضرة ، اللهم إلا أطيافًا لا أزال أتذوق جمالها ، ومرد ذلك إلى أمرين أحدهما الأفكار العالية التي عالجها على مدى أكثر من الساعة ، وكلها حول أندونيسية ، والصفة الإسلامية التي يجب أن تتميز بها أبدًا وبخاصة في مرحلتها الجديدة بعد الاستقلال ، والثاني عمق الرؤية التي كانت تظلل تلك الأفكار فيخيل للسامع أنها فلذ من قلبه أكثر مما هي كلام يقال ...
وكان للرصانة التي تميز صورة الخطيب ولهجته ضرب من الإيحاء قوي يشد إليه السمع والبصر .. إذ تشعر وأنت تلاحظه وتستمع إليه أنك تلقاء شخصية ثقلت موازينها ، فهي أكبر من الكيان الذي تحتله من ذلك الحجم الأندونيسي اللطيف .. شخصية تتجمع فيها مواهب الجامعي الدقيق العبارة ، والسياسي البعيد الغور ، والمؤمن الذي يسكب على كل من هاتين الصفتين الوقار الموجب للثقة والاحترام .
وتكر الأيام ، ويقدر الله لي الشخوص إلى أندونيسية ، فألقى الدكتور محمد ناصر بمكتبه في المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في جاكرتا ، فإذا هو هوالذي لقيته في المدينة المباركة قبل هاتيك السنين ، لم يتغير على نظري شيء منه ، هدوؤه ورصانته ومظهره الجدي الوقور، بل لكأن الزمن قد وقف به حيث كان يومئذ ، فلم يقربه من الشيخوخة ، ولم يبعده عن سن الشباب ، ولا غرابة في هذه فهي السمة المميزة للجنس الأندونيسي الذي يحتفظ أبدًا برونق الشباب ، فلا يكاد يرهقه الكبر...
على أن سنوات الفراق لم تكن لتقطعني عن أخباره ، فأنا أعلم من خلالها ضخامة العبء الذي يتحمله في سبيل الإسلام ، وشدة البلاء الذي يواجهه من أعدائه ، الذين تسللوا إلى القوة عن طريق المنافذ التي خططها لهم الاستعمار، كما فعل في كل قطر إسلامي أكره على مغادرته ، فلم يدعه إلا بعد أن أسلم أزمته إلى تلاميذه الذين فاقوه في عمليات التخريب لكل ما هو إسلامي ...
لقد استطاع خلال المناصب التي شغلها من إدارات ووزارات ورئاسات وغيرها ، أن يرفع راية الإسلام كما أنزله الله دينًا ودولة ، وصدع بكلمة الحق في وجه الزعازع الهائلة من مؤامرات المعادين للحق ، ولم يستطع رأس طواغيتهم سوكارنو وكل الذين آزروه وحرضوه ، إخفات ذلك الصوت إلا بالوسائل التي عرفتها شعوب الإسلام في كل مكان قفز فيه أعوان الشيطان إلى سدة الحكم بالتزييف وبالحديد والنار.. وكان بوسعه وإخوانه أن يستمروا في نطاق السلطة لو رضوا بما عرضه عليهم أولئك الطواغيت من التخلي عن الصفة الإسلامية التي أقاموا جهادهم السياسي على أساسها ، ولكنهم آثروا إسلامهم على كل شيء ، وفارقوا مناصب الحكم ليتابعوا سبيلهم لخدمة الدعوة في أوساط الجماهير ، التي ستظل الممثلة لمادة الإسلام في سائر البلاد الإسلامية ، وعليها يتوقف مصيره أمام الهجمة الشرسة التي يشنها أساطين السلطة الغاشمة على قواعده ..