فهرس الكتاب

الصفحة 7230 من 27345

وهكذا انحاز محمد ناصر وإخوانه إلى العمل الصامت عن طريق المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية الذي تنتشر فروعه على مستوى الجزر المأهولة في أندونيسية ، يبصرون المسلمين بدينهم ، ويعمقون انتماءهم إليه ، ويواجهون بصبرهم ودأبهم واستقامتهم أعنف الحملات الصليبية على هذا الدين ، الذي تضافرت على حربه كل مراكز القوة من حكام داخلين وأعداء خارجين ، ودعاة للنصرانية لا يقبلون هدنة مع الإسلام ، الذي أعلنوا تصميمهم على استئصاله ، وأعدوا لذلك عدتهم الهائلة من أساطين تجوب أقاصي الجزر وأدناها في الجو والبحر والبر ، ومن مؤسسات تعليمية تفوق معاهد الدولة وجامعاتها ، إلى وسائل إعلامية تغطي بصحفها ومنشوراتها وإذاعاتها كل مكان من أندونيسية .. وقد أتقنوا فنون الاستغلال للأوضاع الاقتصادية التي ترهق الطبقات المسحوقة تحت عجلات النظام ، الذي ضيق عليها سبل الحياة فحرمها حتى الضرورات الأولية وبذلك هيأها للسير وراء كل ناعق يضمن لها الحد الأدنى من وسائل العيش ، وأطمع بها أولئك المضللين حتى استطاعوا تحويل الآلاف بل الملايين من الإسلام إلى النصرانية على مرأى ومسمع من الحكام الذين لم يخفوا تأييد النصرانية الغازية ، بل حركوا حتى بقايا الوثنية من باطني جاوة لإعلان نحلتهم ، وللمطالبة بالامتيازات التي تمكنهم من إثبات وجودهم وتثبيت شخصيتهم الطائفية في مجلس الأمة وهي المؤامرة التي نفذت بقوة الحراب فسقط ضحيتها الأعداد من شباب الإسلام الذين هبوا للاحتجاج عليها بتظاهراتهم الصاخبة ، فجوبهت بالجيش يقتحم عليها ساحات الجامعات ويملأ بجرحاهم المستشفيات ..

ثم تأتي مع هذا وذاك فتنة (البانجاسيلا) التي اخترعتها الطغمة السوكارنية ، لتجعل منها منهاجًا جديدًا يصرف المسلمين عن دينهم إلى تعاليم يراد منها أن تحل محل الأديان المعروفة في أندونيسية ، فتجعل من المائة والأربعين مليونًا من سكانها عجينة موحدة النوع لا تنظر إلى الحياة كلها إلا من ثقب واحد ، هو الذي يحدده ذلك الميثاق الخماسي العجيب .. وكأن واضعيه إنما أرادوا إحياء بدعة ذلك الأفاق إمبراطور الهند (جلال أكبر) الذي أغواه شياطين الجن والإنس ، فلم ير لتوحيد شعوب الهند سوى إلغاء انتماءاتهم الدينية بتحويلهم إلى ديانة واحدة لفقها من معتقداتهم جميعًا .. فكان أن زاد الطوائف واحدة تمتاز على الجميع بأنها اشد حقدًا على الإسلام وعدوانًا على المسلمين .

ولقد قيض الله لنا الفرصة المناسبة أثناء زيارتنا أندونيسية ، فلمسنا آثار المجلس الأعلى للدعوة الإسلامية في كل بلد حللناه من تلك الجزر ، والتقينا بما لا يحصى من الشباب العامل في ظله ، فأدركنا الحكمة التي حققها الله في انصراف الدكتور محمد ناصر وإخوانه إلى ذلك السبيل الذي اختاروه مخلصين لخدمة الإسلام وإصلاح شأن المسلمين ، والوقوف بوجه الغزو الصليبي الشرس ، على الرغم من البون الشاسع بين وسائلهم ووسائل المبشرين .. وكل سلاحهم في هذا المعترك هو وعيهم العميق لحقائق الإسلام ، ثم إيمانهم الراسخ بأن الله ناصرهم ما داموا في طاعته ، فهم لا يدخرون وسعًا في بذل كل ما يملكون من مجهود في سبيل الدعوة التي شرفهم الله بخدمتها ..

حوارنا مع الدكتور محمد ناصر

س ـ نرجو التفضل بذكر الاسم والميلاد والبلد والدراسة ؟

ج ـ الاسم محمد ناصر ، وقد ولدت يوم 17 يوليه من عام 1908 في بلدة تدعى (الاهان بانجانغ) من أعمال (مانتجاو) في أندونيسية ، وتقع على ضفاف البحيرة التي تحمل هذا الاسم ، وهي معروفة بطبيعتها الخلابة .

ويفهم من كراسة كتبها عنه الأخ الأستاذ محمد أكوسجئ أن تلك البلدة في ولاية سومطرة الغربية ، وعلى عادة أهلها في تكريمهم للزعماء والقادة اكتسب الدكتور لقب (داتو سينارو بانجانغ) .

ويزيد الأستاذ محمد سعيد بأنه نشأ في بيت دين وعلم وجاه ، فجده لأمه واحد من علماء مينانكاب أما أبوه فكان أحد إداري المنطقة ، وبذلك اجتمع في الدكتور محمد ناصر رافدا الدين والجاه ثم الثقافة العامة .

ويقول الدكتور أنه تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة الحكومية الهولندية (سولوك) ثم انتقل إلى المرحلة الإعدادية في المدرسة الحكومية (ميولو) في بادانغ ومن ثم التحق بقسم الآداب الغربية الكلاسيكية في المدرسة الثانوية المسماة (الكوميني ميد ليارسكول) في مدينة باندونغ والظاهر أن مركز أسرته قد ساعده على هذا الالتحاق ، إذ كان الوصول إلى المدارس الحكومية محفوفًا بالمصاعب إذا لم يكن التلميذ من أبناء الذوات وموظفي الحكومة أو كبار الملاك أو الأثرياء ، هذا فضلًا عما يقتضيه التغرب من أعباء تبهظ كاهل الأسرة ، وقد جمع الفتى بين الدراستين الحكومية والدينية ، إذ قسم يومه الدراسي شطرين ، فشطره الأول في المدارس الرسمية ، وشطره الآخر في إحدى المدارس الأهلية الإسلامية ، كشأن أبناء الأسر المسلمة الحريصة على دينها حتى الآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت