الجمعة 8 رجب 1397 / 24 حزيران 1977
الحلقة ( 1 من 4 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:
فقد فرغنا في الجمعة الماضية من الحديث عن سورة الهمزة وهي سورة تستحق من الشرح أكثر مما كان ، لأنها تكشف عن حالة غير سوية خرج إليها المشركون ، ولكن المشكلة التي أرقت هؤلاء المشركين وأفسدت عليهم مسالك الرأي وأصول التصرف هي السورتان اللتان سبقتا سورة الهمزة ، وهاتان السورتان تبحثان بصورة أساسية ومباشرة مسألة من أخطر المسائل التي أثارتها الديانات عمومًا وألح عليها الإسلام على وجه الخصوص ، هذه المسألة هي مسألة الإيمان باليوم الآخر .
صحيح أن هذه المسألة بالذات أشار إليها الكتاب الكريم منذ بداية الوحي ، لكنها كانت إشارة مقتضبة تارة وعرضية تارة أخرى ، ولم نألف في كل ما استعرضناه من السور السابقة قبل القارعة أن سورة برمتها يدار الحديث فيها عن موضوع واحد لا يعدوه ولا يتجاوزه وهو موضوع القيامة .
نحن الآن أمام سورة هي في الترتيب الثانية والثلاثون وهي سورة المرسلات ، وهذه السورة كذلك تثير نفس الموضوع ولكنها تحمل طعمًا من نوع خاص ، لها ملامح فيها شيء من الغرابة يكاد القارئ لها أو السامع أن يتصور أمامه جيشًا يقاتل لا كلام يطلق ، وقبل أن نتحدث بأي شيء فمن الخير أن نقرأ السورة باهتمام ، ومن الخير أن ألفت أنظار الإخوة إلى ضرورة التمعن في صياغة السورة ، فالواقع أنك حينما تقرأ هذه السورة حتى على إنسان عامي أو حتى على إنسان لا يعرف اللسان العربي الذي نزل به القرآن ندرك من الفواصل أن أمامه كلامًا يقاتل .
يقول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ( والمرسلات عرفًا ، فالعاصفات عصفًا ، والناشرات نشرًا ، فالفارقات فرقًا ، فالملقيات ذكرًا ، عذرًا أو نذرًا ، إنما توعدون لواقع ، فإذا النجوم طُمست ، وإذا السماء فرجت ، وإذا الجبال نسفت ، وإذا الرسل أقتت ، لأي يوم أجلت ، ليوم الفصل ، وما أدراك ما يوم الفصل ، ويل يومئذ للمكذبين ، ألم نهلك الأولين ، ثم نتبعهم الآخرين ، كذلك نفعل بالمجرمين ، ويل يومئذ للمكذبين ، ألم نخلقكم من ماء مهين ، فجعلناه في قرار مكين ، إلى قدر معلوم ، فقدرنا فنعم القادرون ، ويل يومئذ للمكذبين ، ألم نجعل الأرض كفاتًا ، أحياءً وأمواتًا ، وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتًا ، ويل يومئذ للمكذبين ، انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاثة شعب ، لا ظليل ولا يغني من اللهب ، إنها ترمي عليهم بشرر كالقصر ، كأنه جمالات صفر ، ويل يومئذ للمكذبين ، هذا يوم لا ينطقون ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، ويل يومئذ للمكذبين ، هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين ، فإن كان لكم فكيدون ، ويل يومئذ للمكذبين ، إن المتقين في ظلال وعيون ، وفواكه مما يشتهون ، كذلك نفعل بالمحسنين ، ويل يومئذ للمكذبين ، كلوا وتمتعوا قليلًا إنكم مجرمون ، ويل يومئذ للمكذبين ، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ، ويل يومئذ للمكذبين ، فبأي حديث بعده يؤمنون ) .
إنك حين تقرأ السورة تلاحظ أن نظم السورة يختلف عما ألفناه في السور الماضية ، ولا سيما حين الحديث عن يوم القيامة ، تقريرًا أو دحضًا لشبه أو عرضًا لدلائل وشواهد .. ولو أن إنسانًا لا يعرف اللسان العربي بالمرة يسمعك تقرأ السورة فسيدرك أنه أمام أمر خطير ، وإلا ما تساوقت الفواصل بهذا الشكل ، وبحسبك أن تلتفت إلى هذه اللازمة ( ويل يومئذ للمكذبين ) التي تكررت عشر مرات ، وهي سورة لا تقول أنها قصيرة كما لا تقول أنه متوسطة ، فهي بين بين ، فلماذا أدير الحديث أصلًا بهذا الشكل ؟ إننا نتعرّف على حوادث السيرة ووقائع الإسلام في مراحله الأولى من خلال آيات الله تعالى متبعين في ذلك نهجًا خاصًا ينبغي أن نتساءل دائمًا ، لماذا ذكرت القضية هنا ولم تذكر هناك ؟ لماذا شرحت القضية هنا واقتضبت هناك ؟ لماذا خفت اللهجة هنا واشتدت هناك ؟ كل هذه معالم يستطيع قارئ القرآن ومتتبع السيرة أن يجد لها تفسيرها المناسب وأن يجد تفسيرها الذي يلقي الأضواء على الأمور التي يهتم البحث عنها .