بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين القائل: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين والصلاة والسلام على أطهر خلق الله، الذي دعا إلى نظافة القلوب والأبدان، من كل رجس ودرن، والقائل: (إن الله جميل يحب الجمال) ، وعلى آله وصحبه الأطهار.
إنه يجري على ألسنة الناس هذه الكلمة الرائعة"النظافة من الإيمان"ويسندوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن صح كونها من قول النبي عليه الصلاة والسلام وإلا ففي الإسلام من الآيات والأحاديث الكثيرة ما يشهد بصحة معناها، وأن النظافة حقًا من الإيمان.
ذلك أنه لم يترك الإسلام جانبًا من جوانب المرء: مأكله ومشربه وملبسه ومطعمه وبدنه بل ومنكحه وعموم هيئته إلا ودعا المسلم فيها إلى النظافة. وسوف نبين كل هذه الأحوال. جاعلين مرجعنا في ذلك كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فأولًا: بلغت النبي صلى الله عليه وسلم أحوال عامة ينبغي للمسلم تعاهدها، وأنها من صميم الدين، فيقول عليه الصلاة والسلام"الفطرة خمس: الختان والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط"، والمراد بالفطرة الدين، وهي التي فطر الله الناس عليها أي أن هذه الأمور الخمسة من الدين، وهي الختان والمراد به: قطع قلفة الذكر، فإن بقاءها يسبب تراكم النجاسات والأوساخ فتحدث الأمراض والجروح.
والاستحداد: حلق الشعر التي حول الفرج قُبُلًا كان أو دبرًا، فإن بقاءها يعرضها للتلوث بالنجاسة، وربما أخلت بالطهارة الشرعية، كما أن ترك الشارب بدون قص، يشوه الخلقة، ويكره الشراب بعد صاحبه، ويوجب التشبه بالمجوس.
ونحن نعرف جميعًا ماذا يسبب عدم تقليم الأظافر، من تجمع الأوساخ، فتخالط الطعام فيحدث المرض. وعدم نتف الإبط يجلب الرائحة الكريهة.
ففي هذه الأمور وأمثالها تتجلى مدى ما يريده لنا ديننا من النظافة التامة، وعدم التعرض لشيء من الأقذار التي تسبب أمراضًا على الفرد أو المجتمع، فلم يترك الإسلام خيرًا إلا دعا إليه، ولا شرًا إلا حذر منه.
أما بعد:
فإننا إذ نشيد بالنظافة وندعو إليها ونجعل لها أهمية كبيرة في حياتنا، فإن ذلك ليس بِدْعًَا جئنا به واختلقناه ولم يكن تقليدًا لأمة غير مسلمة أشادت هي كذلك بالنظافة وإنما ديننا هو الذي وضع أسس هذا الأمر ودعا إليه بل وجعله جزءًا من العبادة إلى جانب أنه لاحظ فيها المصلحة التي تعود على الإنسان من حيث الحفاظ على صحته فالمصالح التي راعاها. ونحن اليوم نتكلم عن طرق منها وهي المصلحة التي راعاها الدين في تشريع النظافة نقول:
ثانيًا: النظافة في ملبس الإنسان ومظهره وإليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الشأن.
روى مسلم في صحيحه: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال -يعني النبي صلى الله عليه وسلم-: إن الله تعالى جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس"والمراد ببطر الحق تسفيهه ورده وعدم الخضوع له، وغمط الناس: احتقارهم. يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أحقر شيء من الكبر فيظن أحد السامعين، أن الزينة قد تكون نوعًا من الكبر، فيخاف الوقوع فيه، ويسأل الني صلى الله عليه وسلم عما يحب الرجل من جمال المظهر وتحسين الثوب والنعل ويبين صلى الله عليه وسلم، أن ذلك مما يحبه الله تعالى فيقول: إن الله جميل أي متصف بصفات الكمال، يحب الجمال أي حسن المظهر في عبده المؤمن الجميل في باطنه. وهناك أحاديث تدعوا أصحاب اليسر إلى إظهار نعمة الله عليهم، وأن التظاهر بعكس ما عليه الإنسان من اليسر، قد يكون فيه إنكار لنعمة الله تعالى.
روى الترمذي عن عمر بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) . وروى أحمد والنسائي عن جابر، قال:"أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرًا، فرأى رجلا شعثًا، قد تفرق شعره، فقال: ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه"-أي ما يلم شعثه ويجع تفرقه- وفي رواية لهما عن أبي الأحوص عن أبيه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب درن، فقال لي:"ألك مال"، قلت نعم. قال: من أي المال؟ قلت من كل المال، قد أعطاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته) .