أفبعد هذا يكون جزاؤهما العقوق والإعراض؟!.. خالد عبد الرحمن*
قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا واخفض لهما جناح الذّلّ من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) الإسراء: 23، 24..
الوالدان!!.. وما أدراك ما الوالدان؟!.. الوالدان: اللذان هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان.. الوالد بالإنفاق.. والوالدة بالولادة والإشفاق.. يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات مقرونات بثلاث؛ ولا تقبل واحدة بغير قرينتها..
1 (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) التغابن: 12.. فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
2 (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) البقرة: 439.. فمن صلى ولم يزكِّ لم يقبل منه.
3 (أن اشكر لي ولوالديك) لقمان: 14.. فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.
ولأجل ذلك تكررت الوصايا في كتاب الله تعالى، والإلزام ببرهما، والإحسان إليهما، والتحذير من عقوقهما، أو الإساءة إليهما بأي أسلوب كان.. قال الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا) النساء: 36، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا) العنكبوت: 8، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أُمُّهُ وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) لقمان: 14..
فقد وضحت هذه الآيات ما للوالدين من جميل عظيم، وفضل كبير على أولادهما؛ خاصة الأم التي قاست الصعاب والمكاره بسبب المشقة والتعب، من وحم، وغثيان، وثقل، وكرب، إلى غير ذلك؛ مما ينال الحوامل من التعب والمشقة.. أما الوضع: فذلك إشراف على الموت لا يعلم شدته إلا من قاساه من الأمهات.
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء التأكيد على وجوب بِرّ الوالدين، والترغيب فيه، والترهيب من عقوقهما.
ومن ذلك: ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما) .
وروى أهل السنن إلا الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: (جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان) ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارجع إليهما؛ فأضحكهما كما أبكيتهما) .. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(يا رسول الله! من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟) ؛ قال: (أمّك) .. قال: (ثم من؟) ؛ قال: (أمّك) .. قال: (ثم من؟) ؛ قال: (أمّك) .. قال: (ثم من؟) ؛ قال: (أبوك ) ) .. هذا الحديث مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر؛ وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع؛ فهذه تنفرد بها الأم، وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية.. وجاءت الإشارة إلى هذا في قوله تعالى: (ووصيّنا الإنسان بوالديه حملته أمّه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين) لقمان: 14.. وكما أن بر الوالدين هو هديُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو كذلك هدي الأنبياء قبله قولًا وفعلًا، وقد سبق بيان هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك من قوله، أما من فعله صلى الله عليه وسلم فإنه لما مرّ على قبر والدته آمنة بنت وهب بالأبواء - حيث دفنت؛ وهو مكان بين مكة والمدينة - ومعه أصحابه، وجيشه - وعددهم ألف فارس - وذلك عام الحديبية توقف، وذهب يزور قبر أمه؛ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبكى من حوله، وقال: (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي؛ فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) ..
وهذا إبراهيم - خليل الرحمن أبو الأنبياء وإمام الحنفاء عليه السلام - يخاطب أباه بالرفق، واللطف، واللين - مع أنه كان كافرًا -؛ إذ قال: (يا أبت) ؛ وهو يدعوه لعبادة الله وحده؛ وترك الشرك.. ولما أعرض أبوه؛ وهدده بالضرب والطرد لم يزد على قوله: (سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي) مريم: 47..
وأثنى الله على يحيى بن زكريا عليهما السلام؛ فقال تعالى: (وبَرّا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا) مريم: 14... إلى غير ذلك من أقوال النبيين عليهم السلام التي سجلها كتاب الله تعالى.. وهكذا كان السلف الصالح من هذه الأمة أحرص الناس على البر بوالديهم..
عقوق الوالدين له صور عديدة، ومظاهر كثيرة؛ قد تخفى على بعض الناس.. ومن ذلك: أن يترفع الابن عن والديه، ويتكبر عليهما؛ لسبب من الأسباب؛ كأن يكثر ماله، أو يرتفع مستواه التعليمي، أو الاجتماعي، ونحو ذلك..
ومن العقوق أن يدعهما من غير معيلٍ لهما؛ فيدعهما يتكففان الناس، ويسألانهم.
ومن العقوق أن يقدم غيرهما عليهما؛ كأن يقدم صديقه، أو زوجته، أو حتى نفسه.
ومن العقوق أن يناديهما باسمهما مجردًا إذا أشعرهما ذلك بالتنقيص لهما، وعدم احترامهما، وتوقيرهما، وغير ذلك.