المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد:ـ
فإن الفقهاء - رحمهم الله تعالى _ وضعوا أحكاما خاصة للقيط ، وفي هذا البحث المتواضع سأذكر حكم اللقيط بالإسلام والحرية، سائلا المولى _ عز وجل- التوفيق والسداد، والإخلاص في القول والعمل .
أولا: هل يحكم للقيط بالإسلام ؟:
إذا وجد اللقيط في دار الإسلام فهو محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة، وذلك للأمور التالية:
· تغليبا للإسلام .
· ولظاهر الدار.
· ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى (1) .
فمن أحكام اللقيط: أنه يحكم له بحكم الإسلام إن كان التقاطه في دار المسلمين ويحكم للطفل بالإسلام بحكم أبيه عند مالك ، وعند الشافعي بحكم من أسلم منهما، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك (2) .
وقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد أنه يجب غسله ودفنه في مقابر المسلمين وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين قال: وإذا وجد لقيط في قرية ليس فيها إلا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به أنه كافر هذا قول الشافعي وأصحاب الرأي (3) .
واختلف الفقهاء في اللقيط في قرية فيها يهود ونصارى ومسلمون:
قال بن القاسم: يجعل على دين أكثرهم عددا، وان وجد عليه زي اليهود فهو يهودي، وان وجد عليه زي النصارى فهو نصراني وإلا فهو مسلم إلا أن يكون أكثر أهل القرية على غير الإسلام.
وقال أشهب: هو مسلم أبدا لأني أجعله مسلما على كل حال كما أجعله حرا على كل حال (4) .
وهذا هو الصحيح .
مسألة: دار الإسلام قسمان:
1-ما اختطه المسلمون كبغداد والبصرة فلقيطها محكوم بإسلامه.
2-دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم حكم بإسلام لقيطها لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام، وإن لم يكن فيها مسلم بل كان أهلها أهل ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال (5) .
-وفي المغني: ولا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو في دار الكفر فأما دار الإسلام فضربان أحدهما: دار اختطها المسلمون كبغداد والبصرة والكوفة فلقيط هذه محكوم بإسلامه وإن كان فيها أهل الذمة تغليبا للإسلام ولظاهر الدار ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، الثاني: دار فتحها المسلمون كمدائن الشام فهذه إن كان فيها مسلم واحد حكم بإسلام لقيطها لأنه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإسلام وإن لم يكن فيها مسلم بل كل أهلها ذمة حكم بكفره لأن تغليب حكم الإسلام إنما يكون مع الاحتمال (6) .
السبب في كونه يحكم له بالإسلام:
ذكر العلماء في كتبهم عدة أسباب أبينها كالتالي:
-الكافي لابن حنبل:ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيه (7) .
-الروض المربع: وهو مسلم إذا وجد في دار الإسلام وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للإسلام والدار (8) .
-منار السبيل: ويحكم بإسلامه إن وجد بدار الإسلام إذا كان فيها مسلم أو مسلمة لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها تغليبا للإسلام فإنه يعلو ولا يعلى عليه (9) .
-العدة شرح العمدة: ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيه (10) .
-عمدة القاري: إذا وجد اللقيط في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ونحوها من أحكام الدين (11) .
-المبسوط: فإن كان اللقيط في يد مسلم وادعاه ذمي فالقياس لا يثبت النسب منه وهذا غير القياس الأول في دعوة اللقيط لأنا قد حكمنا بإسلام الولد هنا باعتبار الدار ولا قول للذمي في دعوة نسب الولد المسلم ولكنه استحسن (12) .
-بدائع الصنائع: وأما حاله في الإسلام و الكفر، فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون مسلما حتى لو مات يغسل و يصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وإن وجده ذمي في بيعة أو كنيسة أوفي قرية ليس فيها مسلم يكون ذميا تحكيما للظاهر، وإذا وجده مسلم في بيعه أو كنيسة أو في قرية من قرى أهل الذمة يكون ذميا، ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أوفي قرية من قراهم يكون مسلما، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا، والموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد المسلم و تصرفه يكون مسلما ظاهرا و الموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميا ظاهرا فكان اعتبار المكان أولى فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين فبلغ كافرا يجبر على الإسلام و لكن لا يقتل لأنه لم يعرف إسلامه حقيقة وإنما حكم به تبعا للدار فلم تتحقق ردته فلا يقتل (13) .