1 -اعتبار المآل: فالأحكام لها متعلقات ومآلات، «والنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا» (5) ، ودور ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة» (6) .
2 -الاستشارة: وهي من الفقه العظيم، ذات الأثر الخيري الجسيم، ولذلك أمر الله نبيه بها، فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] . قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب» (7) ، وكان يقال: «بإحالة الفكرة يبتدر الرأي المصيب» (8) ، وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه - ـ: «ما نزلت بي قط عظيمة فأبرمتها حتى أشاور عشرة من قريش مرتين؛ فإن أصبت كان لي الحظ دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة» (9) ، وحسبك بأعراض المسلمين عظيمة؛ وتزداد التبعة إن عظم المتعلق.
3 -احذر أن تصاب بوهم (الحق معي) : لأن الحكم ظني غاليًا؛ فالمعلومات يشوبها ما يشوبها، وهكذا النية والنظر؛ فاجعل للرأي الآخر مكانًا عندك، كما قال الأحنف: «اضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب، وتجنبوا منه شدة الحزم، واتهموا عقولكم؛ فإن فيها نتائج الخطأ، وذم العاقبة» (10) .
4 -عفة اللسان: فـ «من لوازم الورع: أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسو ألفاظه بأحسن الأدب، ويختار أدلها على المقصود بألطف عبارة، ويربأ بنفسه عن الفظاظة والغلظة، ووضيع الكلام؛ فما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحشًا ولا متفحشًا ولا بالبذيء» (11) . قال المزني: «سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم! اكسُ ألفاظك! أحْسِنْها! لا تقل: كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء» (12) .
هذا؛ وإن لعفة اللسان أثرًا في قبول الحق، والرجوع إليه، وإصلاح الزلل، فقديمًا قيل: «قبل أن تُغضب أحدًا فليسمع منك! » ، وخاصة أن المقصود حاصل بالكلام العف. هذا منهج الشرع، وهو الأصل إلا لمعارض راجح، وإن شك فيه؛ فالأصل عدمه، واليقين لا يزول بالشك.
وبعد أيها الحبيب: فالموضع كما رأيت مزلة قدم؛ أنت محفوف فيه بين الغيبة، وحقوق الآدميين، والنفس الظلومة الجهولة، والتجرد عزيز، والعاقبة وخيمة؛ فحذارِ حذارِ أن تريق حسناتك بفلتات لسانك؛ فإن الطالب شحيح، والشهود الأعضاء، والحَكَم العليم الخبير. رزقنا الله - سبحانه - ـ الفقه في دينه، وثبتنا عليه، والله أعلم.
الهامش:
(*) قاضي المحكمة العامة بمحافظة شرورة، السعودية.
(1) رواه مسلم (2563) . (2) تفسير ابن سعدي، ص 671.
(3) رواه البخاري (48) ، ومسلم (64) .
(4) رواه البخاري (6045) .
(5) رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني لغيره، صحيح الترغيب، (2/376) .
(6) طبقات الشافعية الكبرى، (2/18) ، نقلًا عن منهج أهل السنة، لهشام الصيني، ص 20.
(1) انظر: منهاج السنة، لشيخ الإسلام (5/239 - 240) نقلًا عن منهج أهل السنة، للصويان، ص 45.
(2) مفتاح دار السعادة (1/141) ، نقلًا عن الإنصاف، للعلي، ص 70.
(3) رواه الترمذي (2317) ، وابن ماجه (3976) ، وحسنه النووي في الأربعين.
(4) انظر: جامع العلوم والحكم (1/288) .
(5، 6، 7) جامع العلوم والحكم، (1/294) .
(8) انظر: إعلام الموقعين (1/69) .
(9) انظر: تفسير ابن سعدي، ص 800.
(10) الدر المنثور (6/99) نقلًا عن الإنصاف، للعلي، ص 79، وانظر: تفسير ابن كثير (4/224) .
(1) البداية والنهاية (9/275) نقلًا عن الإنصاف، للعلي، ص 89.
(2) رواه البخاري، (219) ، ومسلم (284) .
(3) ضوابط رئيسية في تقويم الجماعات الإسلامية، د. زيد الزيد، نقلًا من الإنصاف، للعلي، ص 93.
(4) منهاج السنة (4/337) نقلًا عن منهج أهل السنة، للصيني، ص 23.
(5) الموافقات، (5/177) .
(6) المصدر السابق.
(7) بهجة المجالس، لابن عبد البر، (2/456) .
(8) بهجة المجالس، لابن عبد البر (2/452) .
(9) بهجة المجالس، لابن عبد البر (2/455) .
(10) بهجة المجالس، لابن عبد البر (2/456) .
(11) منهج أهل السنة، للصويان، ص 39.
(12) الإعلان بالتوبيخ، ص 68 - 69، نقلًا من كتاب الصويان السابق، ص 40.