محمد الناصر
إن الإيمان الصادق يصنع الأعاجيب ، فمتى استقر في القلب ظهرت آثاره واضحة في المعاملة والسلوك . ( والإسلام عقيدة متحركة لا تطيق السلبية ؛ إذ إنها بمجرد تحققها في عالم الشعور ، تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج وتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع ) .
والمسلم إذا تمكنت العقيدة من نفسه تبرأ من المشركين وما هم عليه من عقائد وأفعال وسلوك ، وإذ تخرّج على التربية الإيمانية نموذج فريد من الرعيل الأول ، كانوا قممًا شامخة ؛ ارتفعوا فوق جواذب الجاهلية ومفاتن الدنيا وما فيها من مغريات . وسارت الأجيال المسلمة تنهل من التربية المثلى التي غرسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن الأخلاق الفاضلة التي لم تتغير من فرد إلى فرد ، ولا من مجتمع إلى آخر بل هي قيم ثابتة تزداد ثباتًا كلما مرت الإنسانية في تجاربها خلال هذه الحياة . وهي أخلاق متكاملة تحتضن جميع الفضائل والأعمال الخيرة لصالح الفرد والمجتمع وني جميع لا الميادين .
وقد يتساءل البعض قائلًا: ما علاقة العقيدة بالأخلاق ؟
ألا يمكن أن يكون للناس أخلاق طيبة بلا عقيدة ؟ ! نعم ، قد يوجد أخلاق عالية مُثلى كانت عند عرب الجاهلية وعند المجتمعات غير المسلمة أحيانًا ولكن هذا سببه أن النفس تحتجز رصيدها الخلْقي بحكم العادة والتقليد أمدًا طويلًا ، بعد أن تكون قد فقدت الإيمان كجزء من العقيدة ؟ .. وقد تحتجزه فترة على وعي منفصلًا عن العقيدة ، على أنه شيء ينبغي في ذاته أن يقوم . ولكن النتيجة الحتمية واحدة في النهاية ..
إنه ما دامت العقيدة قد انحرفت فلا بد أن تنحرف الأخلاق أخيرًا وما دامت الأخلاق قد انفصلت عن العقيدة فلا بد أن تموت . وإن هؤلاء المخدوعين - حسبوا بتأثير الجاهلية - أن التصورات قد تنحرف ثم يستقيم السلوك . إن هذا وهم من أوهام الجاهلية ، لأن هؤلاء الناس قد ضُلّلوا عن حقيقة الشر الذي يعيشون فيه .. وأن الحياة البشرية ذاتها مهددة بالدمار من ضخامة هذا الشر وعنفوانه ومن ضخامة تمكُّنه من الحياة الواقعية للناس .
وغاية المسلم الأساسية في أخلاقه ، أن يحقق مرضاة ربه ، ذلك أن هدف المؤمن الأول من أعماله كلها هو ابتغاء وجه الله - جل وعلا - فقد أمره - سبحانه وتعالى - بذلك ، وعده بالجزاء الأوفى على أعماله الخيرة يوم القيامة . قال-تعالى-: [ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ ] [الزلزلة: 7-8] . كما أن المسلم يحقق سعادته في الدنيا ؛ يقول - تعالى -: [ وعَدَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ] [النور: 55] .
فالسرور ثمرة عملية لمن يتحلى بالأخلاق الفاضلة ، والطمأنينة القلبية والشعور بخيرية الذات وخيرية المصير من ثمرات الانسجام بين الإيمان والأخلاق وذلك نتيجة طبيعية ؛ لأن الإنسان عندما يتصرف بمقتضى عقيدته - فيؤدي الواجبات كما ينبغي أداؤها ويتجنب المحرمات - يشعر بأنه إنسان خيِّر قوي الإرادة .
ومن يقرأ للملاحدة والكتاب الوجوديين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، يعلم مدى ما يعانون من الاضطراب النفسي والقلق والحيرة في أعماقي قلوبهم . ذلك أن في طبيعة الحياة الإنسانية جانبًا لا يُملأ إلا بالإحسان .. وكثيرًا ما يدفع القلق هؤلاء الحيارى إلى محاولات الانتحار .
وإذا تفحصنا العلاقات الاجتماعية في حياتنا المعاصرة نجد أن الاضطراب في السلوك هو الظاهرة السائدة ، وأن الابتعاد عن الاستقامة مما تعج به أكثر المجتمعات الحديثة ، وهذا دليل واضح ومؤشر قوي على ابتعاد الناس - حتى كثير من المسلمين - عن صفاء عقيدتهم المؤثرة والتزامهم المنضبط بتوجيهاتها .
سوء الخلق دليل على ضعف الإيمان:
ربط الإسلام بين الإيمان والسلوك ربطًا قويًا ، ونلاحظ ذلك في نصوص كثيرة مثبتة في الكتاب والسنة .
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: » من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت « وقوله - صلى الله عليه ومسلم -: » أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا « .
إن قرن الإيمان بحسن الخلق ، والسلوك الرفيع أمر يلفت النظر إلا أن كثيرًا من المسلمين يهملون هذا الجانب أيامنا هذه مع الأسف الشديد .