فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
ضجّت وسائل الإعلام كلُّها بالمشروع الذي طرحه بوش، والذي يدعو فيه إلى تغيير واقع هذه المنطقة أو إلى عملية إصلاح لها، المنطقة التي غيّر بوش اسمها، فأسماها"الشرق الأوسط الكبير"، ووضع لها حدودًا تمتدُّ من المغرب الإسلامي إلى الشرق الإسلامي.
منذ العصور القديمة وهذه المنطقة ساحة صراع كبير بين مختلف الأمم والشعوب. منذ عهد السوماريين والبابليين، وعهد اليونان والرومان، وعهد الفرس، وعهد الفراعنة، أمم كثيرة كانت تزحف عليها من الشرق أو الغرب. لقد كان موقعها الخطير أحد أسباب هذا الصراع، فهي تملك منافذ للشرق والغرب والشمال والجنوب، منافذ للأطماع كلها والعدوان، أو منافذ للخير والحق.
وعلى سنن لله ثابتة ماضية، تظهر أمة وتقوى، ثمَّ تضعف وتغيب ويأتي غيرها، فللأمم آجال محدّدة على قضاء لله نافذ وقدر غالب وحكمة بالغة كآجال الإنسان. وكل دولة يمتدُّ طمعها إذا قويت واشتدَّ بأسها، ثمَّ تسعى إلى صورة من صور"العولمة"لتخضع أوسع مساحة من الأرض لنفوذها وسيطرتها ومصالحها:
( ولكلّ أمةٍ أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون ) [ الأعراف: 34 ]
ومع ثبات هذه السنَّة الربَّانيّة ووضوحها، إلا أنَّ الناس لم تعتبرْ، وظلّت الأطماع والجري اللاهث وراءها هو الدافع إلى الامتداد، دون أن يأخذ الناس عبرة من الأحداث، أو من رسالة الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله في كلّ أمة ومع كل عصر برسالة الإسلام، بالدين الحقِّ الواحد. الدين الذي خُتم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي أُنزل عليه وحيًا من عند الله:
( ولقد بعثنا في كلّ أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم مَنْ هدى الله ومنهم مَنْ حقّتْ عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذّبين ) [ النحل:36 ]
حتى جاءت الرسالة الخاتمة للإسلام، دعوة ربَّانيّة للعالمين، للناس كافَّة، تحمل المنهج المتكامل لتُصلح به حياة البشرية كلها، تحمل المنهج الحقّ للإصلاح كله، لإصلاح الفرد والبيت والمجتمع والأمة والبشرية كلها، تحمل المنهج الحقّ لكلّ زمان ومكان، ولمعالجة كلِّ مشكلة صغيرة أو كبيرة:
(ما كان محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتَمَ النبييّن وكان الله بكلِّ شيءٍ عليما ) [ الأحزاب: 40 ]
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحقِّ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومُهَيْمِنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبعْ أهواءهم عمَّا جاءك من الحقِّ لكلٍّ جعلْنا منكم شِرْعةً ومِنْهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمّةً واحدةً ولكن ليَبْلُوَكُمْ في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون ) [ المائدة: 48 ]
وانطلق الإسلام برسالته الخاتمة من مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة، ليملأ الأرض نورًا، وليُخْرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. وامتدّ الإسلام بقدر الله حتى شمل الأندلس غربًا والصين شرقًا. وأُلْجمتْ كثير من الشهوات والمطامع وأهواء الدنيا. ثم نهضت قوى كثيرة تصدُّ عن سبيل الله، وتُصارع دعوة الإسلام تحت شعارات مختلفة ورايات متعددة، ابتلاء منه سبحانه وتعالى وتمحيصًا لخلقه كلهم، فردًا فردًا وشعبًا شعبًا.
وإذا كان سلطان الإسلام قد تراجع اليوم، فإن الدعوة الإسلامية مازالت ماضية في الأرض، لتكون حُجّة للصادقين وحُجّة على المستكبرين. وامتدَّ الصراع قرونًا طويلة، وما درى كثير ممن يحاربون الإسلام أنَّ هذا الدين هو دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ودين موسى ودين عيسى، عليهم السلام جميعًا، دين واحد وربٌّ واحد لا شريك له.
وإذا كان هنالك من بدَّل وغيَّر في دعوة الله، وأغرته شعارات القوة المندفعة من ديمقراطية وعلمانيّة وغيرهما، فما زال في الأرض قلوب صدق إيمانُها وصفا توحيدها، وأبتْ أن تحرّف دين الله أو تبدّل فيه أو تتبع ما تشابه منه أو تفسد التأويل.
ولحكمة أرادها الله جعل في الغرب قوة مسيطرة، وعلى رأسها أمريكا التي بلغت من القوة المادية والتطور العلمي ونموّ العتاد والسلاح العسكري شأنًا نفخ فيها الكبر والغرور حتى استكبرتْ وطغتْ. ولحكمة أرادها الله كان المسلمون اليوم في أضعف حالاتهم التي مرَّوا بها في التاريخ، في تمزَّق، وقلة عدة وسلاح، وتخلّف علمي وصناعي، لا عذر لهم به، ولكنه بما كسبت أيديهم. ودفع هذا الحال كثيرًا من المسلمين إلى التنازل عن ديار ومبادئ في مسلسل طويل، حتى فجع المسلمون بهزائم متتالية وهوانٍ كبير.
في هذه اللحظات تطلع أمريكا منتفخة الأوداج كبرًا وغرورًا لتتحدث بكل جرأة عن ضرورة إصلاح منطقة"الشرق الأوسط الكبير". مصطلح جديد يخفي الحقيقة والاسم الصحيح"العالم الإسلامي". ويريد بوش أن يجري إصلاحًا في هذه المنطقة ليَهبها الديمقراطية والحريّة والعدالة حسب ادعاءاتهم!