فهرس الكتاب

الصفحة 7371 من 27345

إذا أَلَمَّتْ بأحد ملمةٌ قاسية أو حَدَثَ له حادثٌ كبيرٌ مُقْلِق مُؤَزِّم، أو اعترض طريقَ حياته صخرة تستنفد إزالتُها كثيرًا من الجهد والوقت والقوة ، الأمر الذي لا يكاد يحتمله هو، ينهض كثيرٌ من الناس الأقربين والأبعدين - على السواء - ليواسوه ، ويُؤَكِّدُوا له مشاطرةَ الهمّ ، وتقديمَ كل مساعدة ماديّة ومعنويّة لمواجهة المشكلة . وهنا يَحْسَبُ المهمومُ أنّ معالجةَ المشكلة جدُّ يسير عليه بفضل وقوف هذا العدد الكبير من المواسين والمساعدين بجانبه، ويعتقد - لما يراه من حماسهم وصدق ما يبدو من تعاملهم - أنهم قد يدومون على التعاون معه على مواجهة الخطب ومشاطرة الهمّ ، وأن الرياحَ ستظلّ تجري بما تشتهيه سفينتُه؛ فالمصائب ستتلاشى، والخطوب ستظلّ تذوب، والتغلّبُ على مرارة الحياة سيظلّ هَيِّنًا .

غير أن حماسَ المواسين والمساعدين يتراجع مع الأيّام - حسب سنّة الله في الكون - ويعود المهموم وحيدًا ليصارع الهمومَ ويواجه المشكلة، أو قد يبقى معه صامدًا لبعض الوقت بعضُ خُلَّص الإخوان من عشيرته أو فصيلته، أو ممن تعلّقوا به بصداقة صافية. ثم يأتي اليومُ الذي لايكون معه في الواقع إلاّ نفسُه، ولايساعده في مواجهة المصيبة إلاّ نصرُ الله وتوفيقُه اللذان لايخونان المهمومَ المحزونَ مهما خان الخلاّنُ وانفضّ الإخوانُ. وخلال ذلك قد يكون وَجَدَ حيلةً بفضل الله ورحمته لحلّ المشكلة، والتغلّب على الأزمة، والتخلّص من الورطة.

قصّةٌ من واقع حياة رجل أُثْبِتُها لتكون مصدرَ درس لمن يتلقّاه من القراء المُوَفَّقِين: استوفى والده ظمأَ حياته وهو ابن ثلاثة شهور في حضن والدته المسكينة، ومَضَتْ أيّامُ حياته عصيبةً كما شاء الله عزّ وجلّ. ومرَّ بمراحل الكتاب ومبادئ القراءة والكتابة. وانتسب في المرحلة الابتدائية إلى المدرسة الإمدادية بمدينة"دربنجه"بولاية"بيهار"بالهند، وكان والده الثاني (زوج أُمّه) - وكان ابن عمّ لأمّه - حيًّا ينحت له وللعائلة طريقَ الحياة من صخر؛ حيث كان لاينال إلاّ راتبًا ضئيلًا لايغطّي حاجات العائلة. وذلك من خلال عمله في بعض المصانع بمدينة"كالكوتا"الهنديّة ثم من خلال دكّان له صغير يبيع فيه بعضَ أنواع الحبوب. بعد أعوام التحق بدارالعلوم بمدينة"مئو"بأترابراديش، وغادرها بعد أعوام إلى الجامعة الإسلامية الأمّ: دارالعلوم بمدينة"ديوبند"وكانت السنة الأولى من الدراسة بدارالعلوم/ ديوبند إذ مات والده الثاني - رحمه الله - فصحّت عزيمةُ والدته على فصلي من التعليم لأنّها عَدِمَتْ من يعولها ويعولني ويعول ثلاثةَ أولاد (ابنين وبنتًا) غيري، ووَجَدَتْ طريقَ الحياة مسدودةً في وجهها. وقد أَيَّدَتْ رأيَها في فصلي من الدراسة لأُصْرَفَ إلى كسب لقمة العيش خالاتي الثلاث اللاتي حَزِنَّ على موت والدي الثاني حزنَ والدتي التي كانت أصغر شقيقاتها .

على فصله من التعليم لأنّها عَدِمَتْ من يعولها ويعوله ويعول ثلاثةَ أولاد (ابنين وبنتًا) غيره، ووَجَدَتْ طريقَ الحياة مسدودةً في وجهها. وقد أَيَّدَتْ رأيَها في فصله من الدراسة لِيُصْرَفَ إلى كسب لقمة العيش خالاته الثلاث اللاتي حَزِنَّ على موت والده الثاني حزنَ والدته التي كانت أصغر شقيقاتها .

ولكنّ زوجَ خالته الكبرى - الذي كان من سكان"رائبور"بمديرية"سيتامرهي"بولاية"بيهار"بالهند - رَفَضَ هذا الرأيَ بشدة وقال: لا، لن يكون ذلك وأنا حيّ؛ فقد سمعتُ على لسان كل زميل من زملاء هذا الولد في الدراسة، أنه أذكى من الأقران جميعًا وأنه يَبُذُّهم في الاجتهاد والحرص على تكوين الذات وكسب المؤهلات الدراسية، وأنّه ينال في الامتحانات دائمًا علاماتٍ ممتازةً لاينالها أيٌّ من زلائه؛ فليستمرّ في الدراسة وأنا كفيل بمصروفاته الدراسيّة وغير الدراسيّة. هنا ظنَّتْ والدته وظنّ هو كذلك أن هذا"السند القويّ"قد قام للفترة المطلوبة كلّها، وأنّ قضيةَ دراسته قد وَجَدتِ الحلّ الكافيَ، وهي أكبر قضيّة بين القضايا التي مَثَلَتْ أمامه إثرَ وفاة الوالد الثاني.

غير أنّه - رحمه الله - لم يتمكن من تقديم المساعدة له إلاّ مرة أو مرتين على الأكثر؛ لأن أيّام الإنسان لاتبقى على نسق واحد، والأوضاع لاتدوم على وتيرة واحدة؛ ولكن الأهم أنه - رحمه الله - فتح الطريق الذي يكاد ينسّد، ولن يُتِحْ لمجرى الحياة أن يتغيّر لجهة سلبيّة خاطئة، ولم يسمح لليأس أن يخيّم على درب اليتيم؛ فظل يعدو في طريق الدراسة، وأكمل المشوار، وعاد يخطّ حروفًا، ويُدَرِّس كلمات، ويستغل بوظائف العلم والتدريس والتأليف ما ينفعه وينفع العائلة كلها. وكلُّ ذلك يرجع فيه الفضلُ بعد الله عزّ وجلّ إلى زوج خالته المذكور - رحمه الله - فهو وأعماله صدقةٌ جاريةٌ له، جزاه الله خيرًا وأكرم مثواه في جنة الفردوس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت