فهرس الكتاب

الصفحة 7372 من 27345

إنّ الذي يَدَعُ طريقك في الحياة مفتوحًا ويعمل على إزالة كل مترس يعترضه، ويجعلك سائرًا عليه دونما توقّف، ويعينك على الاستمرار في إغذاذ الخطى إلى المنزل المنشود، والمستقبل الزاهر، والغد المشرق، أكبرُ مُحْسِن إليك وأكرمُ مُنْعِم عليك، يجب أن تعرف منّته عبر امتداد الحياة بك وتطاول فرصة العمر لك؛ لأنّ جميع ما تحقّقه اليوم من المكاسب يرجع فيه الفضل إلى هذا المنعم الذي تَحَمَّلَ أعباءَ إبقاء طريقك في الحياة مفتوحًا وكاد ينسدّ بالركامات والعوائق التي زَرَعَتْها فيه صروفُ الدهر وخطوبُ الأيّام والليالي.

قد يجوز أن تجعل الظروفُ المستجدةُ ذلك المنعمَ يَنْفُضُ يدَه من التعاون معك في الأيام التالية، وتجعله لايبقى على العطف والحماس اللذين لمستَهما منه في بداية المشوار؛ لأن حلاوة الأيام وملاءمة الظروف لاتدومان، ولم يُكْتَبُ للربيع الدوامُ، والبقاءُ لله وحده؛ ولكن قيمةَ منّته لاتقلّ؛ حيث الدفعةُ الأولى، والحركةُ الأوّليّة، والتشجيعُ المُبَكِّر، لها قيمتُها الكبيرة، وأهميّتُها البالغة؛ لولاها لم تستمرّ الخطى، ولم تدم الرحلة إلى تحقيق الهدف، وإحراز النصر، الذي أعلى شأنَك ورفع مكانَك اليوم في المجتمع، وجعلك شامًّا بين المعاصرين.

محاولةُ أن لاينسّد الطريق ولا تتوقف الرحلة، محاولةٌ مُشَرِّفَةٌ للغاية، لايعرف أهميّتَها إلاّ من مُنِيَ بقطع الرحلة والتساقط في الطريق والتراجع عنه؛ لأنه قد وَجَدَه مسدودًا بصخرة لاتُزَالُ . إن هذه المحاولة هي وحدها التي أحياك بعد ما كدتَ تموت، وأظهرك بعدما كدت يخمل ذكرُك ويُجْهَلُ شخصُك ويُطْوَى بساطُك، فتظلّ مَيِّتًا وأنت حيّ؛ فالأعمال التي قمتَ بها، والإنجازاتُ التي حَقَّقْتَها، والمفاخر التي شَيَّدَتَها، والصيت المطبق الذي كَسَبْتَه، والحسنات التي وُفِّقْتَ لها، والانتصارات التي أحرزتَها، والهزائم التي تَجَنَّبْتَها، ومواقف الشقاء التي تَنَكَّبْتَها.. كُلُّها وغيرها إنما نتجت عن هذه المحاولة الكريمة. لقد كان بالإمكان أن لايُسَجِّلَ لك التأريخ ماسَجَّلَه لك من المكانة المرموقة والمواقف الخالدة من المناقب والمفاخر، لولا هذه المحاولة التي كانت كالعصا السحريّة وحجر الفلاسفة في حياتك.

إنّ قميةَ الحسنة لاتُقَدَّر بطولها وعرضها الظاهرين، وإنّما تُقَدَّر بنتائجها الكبيرة وانعكاساتها العظيمة. إنّ ذرّةً من الحسنة بآثارها الواسعة ومفعولاتها الكثيرة، تفوق الأعمالَ العاديةَ التي تضخم في الظاهر وتضؤل في الباطن.

إنّ من حَفَرَ لك بئرًا تشرب منها، وبنى لك بيتًا تلجأ إليه، ومَهَّدَ لك أرضًا تُغِلُّ لك المحصولات، وشَقَّ لك طريقًا تسير عليه، وهَيَّأَ لك مركبًا تستعمله لغدواتك وروحاتك، وأوجد لك مصدرًا للرزق، وموردًا للدخل، وآلة لتوفير وسائل الحياة، كان أكبر محسن إليك لن تجهل إحسانَه أبدَ الدهر إذا تعرف للإحسان قيمة، وللجميل وجهًا،و للمعروف معنى. ولستَ كالأحمق الذي يعترض على حافر البئر، أنه لم يُوَفِّر له الدلوَ والرِّشَاءَ، وعلى باني البيت أنّه لم يُؤَثِّثه بالحوائج، وعلى واهب الأرض أنه لم يهب له المحراث ومستلزماته، وعلى شاقّ الطريق أنه لم يُبَلِّطه، وعلى المتكرم بالمركب أنه لم يزيّنه، وعلى موجد مصدر الرزق أنه لم يوفّر له ما يستعمله لاستدرار الرزق وكسب الدخل وجلب وسائل الحياة.

العاقل من المُنْعَم عليه إنّما يشكر المُنْعِمَ على عمله المبدئيّ الأصلى، ولا يطلب منه الفروع التي تحصيلُها هيّن، والاستغناءُ عنها ممكن، لمن يتوكأ على الأصل، ويعرف إدارته، ولايتشاغل بالفرعيّات تشاغلَه بالأصليّات .

من أَخَذَ بيدك من السقوط في البئر أو الهاوية، كان أكبر محسن إليك لأن حياتك الباقية وماصنعتَه بعد فيها من الخير، إنما هما متفرعان من بقاء حياتك. فإذا قلتَ: إنه جَعَلَ الإحسانَ غيرَ ربيب؛ حيث لم يأخذ بيدي في جميع مواقف الحياة ، فأنت مُتَنَكِّرٌ للجميل وجازٍ المحسنَ بالإساءة. إنّ الآخذ بيدك منعك من نهاية حياتك، وبقاء حياتك هو الذي تَفَرَّعَ منه جميعُ ما حَصَّلْتَه من العلم، وكسبتَه من الفضل، وتمتعتَ به من الشهرة، وحُزْتَه من العزّ والفخار،وحقّقتَه من الدنيا الواسعة، وحفرته في جبين التأريخ من آثار الإبداع والابتكار ، ونتاج الفكر والعمل .

المُشَجِّعُ الأوّل الذي يُبْقِي على مجرى النهر، ويجعل تيارَ المياه يتدفّق على وتيرة سابقة، ولايدعه يعترضه فتورٌ، ويسابقه عائق، رجلٌ كبيرٌ ذو همةٍ عاليةٍ وطموحٍ جديرٍ بالتسجيل والإشادة. أمّا من تلاه ليلوك فقط كلماتِ الثناء، ويطلق ألفاظ التشجيع مجردة من العمل، فإن غوثه أمطر بعد ما فات الوقت ومضى الحين . ومنفعةُ الغوث إنما تكون إذا جاء قبل العطب .

فالشكر الجزيل والدعاء الكبير لمن يبكّر للغوث، ويبادر للعون ويحاول جهده أن لايتوقف تدفّقُ النبع، والمرورُ في الطريق، والسيرُ في درب الحياة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت