فهرس الكتاب

الصفحة 14990 من 27345

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد: -

فقد ظهرت الفتن في زماننا هذا وعمت وانتشرت حتى أصبح الدين غريبًا بين أهله ،وساد الجهل وطغى على الناس ، ورغب الناس في الأموال والعيال ، وانصرفوا عن العلم والعلماء ، وتكلم الحمقاء ، وأُسكت الفقهاء ، وتصدر الجهلاء ، وضاع الناس في الظلمات والنورُ بين أيديهم ، وتسلط الكافرون وتخاذل المسلمون ، ورفع النصارى لواء الحرب الصليبية من جديد ، ورفع أذنابهم رايات الاستسلام ، وتبعوهم في كل صغيرة وكبيرة حذو القُذة بالقُذة ؛ فلا يلِغُون في جيفة إلا وزاحموهم عليها ، ولا يتمرغون في قذرة إلا ونافسوهم فيها ، ولا يلِجون في جحور الحيوان إلا ولَجوا وراءهم حتى وصل الحال بالكافرين أنهم يتسافدون تسافد الحيوان في الطرقات ، وسارعوا إلى التبرج والتعري مسارعتهم إلى المأكولات والمشروبات ، وأصبحوا يتسابقون في نشر آخر الصور الثابتة منها والمتحركة بشتى الوسائل والأساليب ؛ سواء كان ذلك عن طريق الصور الفوتغرافية أو الصحف والمجلات أو الفيديو كليب أو القنوات الفضائية أو الديجيتال أو الانترنت أو غيرها من الوسائل الحديثة أو القديمة وتبعهم في ذلك كله أذنابهم من المنافقين ممن لا خلاق له ، ولقد وصل الأمر ببعضهم إلى التجسس على عورة أخيه المسلم وتراه يتصيد غفلته ليقوم بتصوير عوراته ونشرها في هذه الوسائل للنكاية به أو فضيحته أو تشويهه بل ربما لغرض إمتاع المشاهدين بهذه الصور .

وأمر هذه الصور وإن كان واضحًا في حرمتها عند القاصي والداني إلا أني أحببت أن أذكر حكمها ، وأدلة تحريمها خشيةً من أن يطول بالناس الزمان وهم على هذه الحال ؛ فيأتي إليهم شياطينهم فيُفتونهم بأن هذه الصور مباحة ، وأنها جائزة شرعًا ؛ فأقول مستعينًا بالله ، وهو حسبي ونعم الوكيل:

سعى الإسلام في تشريعه إلى الحفاظ على الضروريات الخمس ، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، وشرع لذلك تشريعًا عظيمًا مداره على الحفاظ على هذه الخمس لدوام حياة الفرد والجماعة ، وعلى تحسينها وتجميلها لتحقيق الرفاهية ولجريانها على السهولة واليسر بعيدًا عن العنت والمشقة ؛ ولذا فإنه حرّم على المرء كل ما يضره وأمره بفعل كل ما ينفعه . ومع ذلك فليس كل ضرر معتبرٌ ، وليست كل مصلحة معتبرةٌ ؛ بل إن المصلحة المعتبرة هي التي حددها الشارع الحكيم وكذلك المفسدة ، حتى لا تكون المصالح والمفاسد مبنية على الأمزجة والأهواء ، وإلا لساد الهرج والمرج ولدبّ الصراع بين الناس ، ومن هنا كان لا بد على العبد إن أراد تحقيق مصلحته أن تكون موافقة لمراد الشارع الحكيم ، ولا بد في درء المفسدة عنه أن تكون موافقة لمراد الشارع أيضًا .

والنظر إلى عورة الأجنبية عمومًا - سواء كان مباشرة أو في الوسائل الحديثة من تلفاز أو صور فوتوغرافية أو فيديو كليب أو تصوير حصري أو غيرها من وسائل - هذا النظر لا يخلو من أن يحقق مصلحة أو لا .

فأما أن هذه النظرة قد حققت مصلحة ، فهو غير وارد لأن هذه المصلحة المتوهمة ملغاة ؛ لأنها مصلحة عاجلة حققت نفعًا مؤقتًا للمكلف من إشباع شهوته وإمتاع نظره ولكنها قد عارضتها مفسدة أكبر منها ؛ وهي المعصية التي لحقت العبد بهذه النظرة التي نهى الله عنها ؛ مع ما يعقب ذلك من حسرة وندامة وألم معنوي بالغ يلحقه بسبب تعديه على حدود الله ، قال تعالى: ? وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ? [الطلاق:1] ، وقد عُلِم عند من له أدنى معرفة بالشريعة أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ، وإذا تعارضت مفسدة في الدنيا مع مفسدة في الآخرة قُدِم درء مفسدة الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت